عربي
كشفت صحيفة "آربايدن" الدنماركية اليسارية، في تحقيق موسّع، أن السلطات الدنماركية وعدداً من الدول الأوروبية كانت على اطلاع مبكر على فرضية تورط جهات أوكرانية في تفجيرات خط أنابيب "نورد ستريم" في بحر البلطيق عام 2022، لكنها، وفق ما ورد في التحقيق، امتنعت عن توسيع مسار الكشف أو المضي في النتائج النهائية، تفادياً لانفجار أزمة جيوسياسية داخل أوروبا وحلف شمال الأطلسي، بينما واصلت اتهام موسكو بالوقوف خلفه.
ونقلت الصحيفة عن الكاتب والمراسل في "وول ستريت جورنال" بوغان بانشفسكي قوله إن "التحقيق في الدنمارك جرى التعتيم عليه بالكامل، ولم يظهر إلى العلن أي شيء حاسم، لكن اليوم بات واضحاً ما كانوا يعرفونه، وهو أن أوكرانيا تقف خلف التفجير، وقد تم إغلاق الملف". وأضاف، وفق التحقيق، أن "قرار الإغلاق كان سياسياً بامتياز لتجنب أزمة بين الحلفاء".
وأردفت الصحيفة، في تحقيقها، أن تفجير خطي أنابيب "نورد ستريم 1 و2" في سبتمبر/ أيلول 2022 لم يكن مجرد حادث تقني، بل تطور يحمل أبعاداً طاقوية وجيوسياسية واستراتيجية عميقة، مشيرة إلى أن بانشفسكي، في كتابه الجديد حول الحادثة، يورد روايات منسوبة إلى عناصر أوكرانية تتحدث عن مشاركتهم في العملية، بينهم شخص محتجز في ألمانيا بعد تسليمه من إيطاليا، وآخر رفضت بولندا تسليمه رغم مذكرة اعتقال دولية، فيما يُعتقد أن آخرين موجودون داخل أوكرانيا. وكانت الشرطة الإيطالية ألقت القبض في أغسطس/ آب 2024 على مواطن أوكراني يُدعى سيرهي ك. (49 عاماً)، بناءً على مذكرة توقيف دولية صادرة عن ألمانيا، للاشتباه بمشاركته في الهجوم التخريبي الذي استهدف خطي أنابيب الغاز "نورد ستريم 1 و2".
ومضت الصحيفة تقول إن الرواية الرسمية التي تبنتها الحكومات الأوروبية في الأسابيع الأولى بعد التفجير ركزت بشكل شبه كامل على فرضية "التهديد الروسي"، حيث قادت رئيسة الحكومة الدنماركية ميتا فريدركسن تحركات دبلوماسية داخل الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو لتأكيد خطورة الهجوم على البنية التحتية الحيوية، والدفع نحو تعزيز حماية الشبكات الاستراتيجية في القارة.
وتؤكد الصحيفة أن تفجير "نورد ستريم" وضع الحكومات الأوروبية أمام معضلة سياسية حساسة، إذ إن الاعتراف بإمكانية تورط طرف حليف في النزاع الأوكراني يتعارض مع الخطاب الغربي الرسمي الداعم لكييف، في وقت تتواصل فيه خطط إعادة التسلح الأوروبية بمئات المليارات من اليوروهات. وهكذا، وفق التحليل، فإن السردية الأولى التي سادت بعد التفجير، والتي ركزت على اتهام روسيا، اصطدمت لاحقاً بروايات وتحقيقات بديلة، بينما نفى الكرملين منذ البداية أي تورط له في الحادثة.
وأضافت الصحيفة أن مؤسسات أوروبية وأطلسية، بينها قيادة الناتو، تعهدت حينها بدعم تعزيز الصمود الأمني وتقليل هشاشة البنية التحتية للطاقة، مع التحذير من تداعيات واسعة على سوق الغاز وأسعار الطاقة في أوروبا.
وهكذا تشير "آربايدن" اليوم إلى أن التعاون الأمني الذي أُعلن عقب التفجير، من تبادل معلومات استخبارية وتعزيز التنسيق بين الدول، لم يترجم لاحقاً إلى نتائج قضائية واضحة، في ظل توقف التحقيقات الدنماركية وعدم الكشف عن خلاصاتها النهائية.
وتابعت الصحيفة أن بعض أجهزة الاستخبارات الأوروبية، بينها جهاز أمني هولندي، كانت قد التقطت مؤشرات مبكرة حول التخطيط للعملية، وقامت بمشاركتها مع شركاء غربيين، من بينهم وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وجهاز الاستخبارات الألماني، ما يعزز، وفق التحقيق، فرضية امتلاك بعض الحكومات معلومات غير معلنة حول طبيعة ما جرى.
وتُشير "آربايدن" أيضاً إلى قمة غير رسمية لقادة الاتحاد الأوروبي عقدت في براغ يومي 6 و7 أكتوبر/ تشرين الأول 2022، والتي كان يفترض أن تركز على حماية البنية التحتية الأوروبية بعد التفجير، بينما تُظهر الوثائق الرسمية أن رئيسة الحكومة الدنماركية لم تحضر لانشغالها بملفات داخلية. وفي المقابل، تعهّد رئيس الوزراء الهولندي آنذاك مارك روتّه، الأمين العام الحالي لحلف الناتو اليوم، بدفع الاتحاد الأوروبي نحو مبادرات لخفض أسعار الغاز التي ارتفعت بشكل حاد عقب التفجير.
وتلفت الرواية إلى أن أجهزة الاستخبارات الهولندية العسكرية (MIVD) كانت قد رصدت، بحسب التقرير، إشارات مبكرة حول التخطيط للعملية، وتم نقلها إلى أجهزة استخبارات غربية، بينها الأميركية والألمانية، فيما لم يُكشف رسمياً عن توقيت هذه التحذيرات، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول مستوى المعرفة المسبق داخل بعض العواصم الأوروبية.
ويضيف التحقيق أن هناك ترجيحات بأن روتّه كان على علم بهذه التحذيرات الاستخبارية عندما شارك في قمة براغ بعد أسابيع قليلة من التفجير، ما يضيف طبقة جديدة من التعقيد السياسي والاستخباري حول ما كان معروفاً داخل مراكز القرار الأوروبية في ذلك الوقت.
وتلفت "آربايدن" إلى أن التحقيقات الرسمية في الدنمارك أُغلقت لاحقاً من دون توجيه اتهامات، مع امتناع الأجهزة الأمنية عن تقديم أي تفاصيل إضافية، في وقت بقيت فيه الروايات متضاربة داخل أوروبا بين من يواصل اتهام روسيا، ومن يطرح فرضيات أخرى حول الفاعلين المحتملين.
وتخلص الصحيفة إلى أن غياب الشفافية الكاملة، وتضارب الروايات الأمنية والسياسية، جعلا من تفجير "نورد ستريم" ملفاً مفتوحاً سياسياً وإعلامياً، تتداخل فيه حسابات الحرب في أوكرانيا وأمن الطاقة الأوروبي، أكثر من كونه قضية جنائية تقليدية قابلة للحسم القضائي السريع.
