باكستان وأفغانستان... الدبلوماسية القبلية تنجح وسط الأزمات
عربي
منذ ساعة
مشاركة
في تطور لافت على الحدود الأفغانية-الباكستانية، وقّعت قبائل ولاية كنر في شرق أفغانستان، يوم الرابع من مايو/ أيار الحالي، اتفاقية مع قبائل مقاطعتي باجور ومهمند على الجانب الباكستاني. وتنص الاتفاقية على وقف إطلاق النار بين قوات البلدين، مع إشراف القبائل على الوضع الأمني، ومعالجتها للنزاعات المستقبلية كافة. كذلك جاء في الاتفاقية بين قبائل باكستان وأفغانستان أن القوات الأفغانية والباكستانية ستعود إلى مواقعها السابقة، ذلك لأن قوات طالبان الأفغانية سيطرت على عدد من المواقع الحدودية الباكستانية خلال الاشتباكات الأخيرة. وعادت القوات إلى مواقعها السابقة بالفعل، كما بدأت القبائل النازحة بسبب الحرب، تعود إلى منازلها. ليست هذه الاتفاقية، التي أتت نتيجة مساعٍ قبلية، الوحيدة من نوعها، بل سبقها اتفاق مشابه بين قبائل نورستان الأفغانية وقبائل جلجت في الجانب الباكستاني (في 15 إبريل/ نيسان الماضي)، وهو الاتفاق الذي أسهم سريعاً في تهدئة الأوضاع الأمنية على الحدود بين باكستان وأفغانستان. كذلك أسهم في إعادة فتح الطرق الحدودية، وعودة النازحين إلى قراهم بعد أسابيع من النزوح والخوف. وتؤشر الاتفاقيتان على عودة قوية للدبلوماسية القبلية. نفوذ القبائل في باكستان وأفغانستان في هذا الصدد، قال الزعيم القبلي عطاء الله خان صافي، لـ"العربي الجديد"، إن أهمية هذه الاتفاقيات على جانبي الحدود بين باكستان وأفغانستان "تكمن في كونها تأتي بعد فشل كل جولات المفاوضات الرسمية، التي قامت دول مهمة في المنطقة بدور الوساطة فيها، مثل السعودية وتركيا وقطر، وأخيراً الصين". عطاء الله خان صافي: على مدى العقود الأربعة الماضية بُذلت جهود حثيثة للقضاء على قوة قبائلنا  لكن، وفق صافي، فإن للقبائل في باكستان وأفغانستان سطوة وقوة وجذوراً، وبالتالي قالت كلمتها، وأبرمت الاتفاقيتين، مضيفاً أنه "مع الأسف على مدى العقود الأربعة الماضية بُذلت جهود حثيثة للقضاء على قوة قبائلنا على الطرفين، ولكنها باقية وصامدة". أما عن السبب وراء اتفاقيتين مختلفتين، فقال صافي إن الاتفاقية بين قبائل في كنر وقبائل في باجور ومهمند، مرتكزة على أساس أن قبيلة واحدة، وهي قبيلة صافي، نصفها (موجود) على الجانب الأفغاني والنصف الثاني على الجانب الباكستاني، وكذلك الأمر في نورستان وجلجت حيث توجد قبيلة بشئي في باكستان وأفغانستان. وأعرب عن أمله في أن يحصل الشيء نفسه بين قبائل الوزير على حدود بكتيكا وبكتيا وخوست في الجنوب الأفغاني التي توازيها مقاطعتا وزيرستان الشمالية والجنوبية من الجانب الباكستاني، وكذلك بين أبناء قبائل مقاطعة شينواري على طرفي الحدود في شرق أفغانستان، التي توازيها مقاطعتا خيبر وأوركزي القبليتان في باكستان. ورغم الطابع غير الرسمي لهاتين الاتفاقيتين، ورغم تهميشها لأهم مطالب باكستان وهو الاعتراف بخط ديورند حدوداً رسمية (وتعدّه إسلام أباد حدوداً رسمية، بينما ترفض كابول الاعتراف به)، وقضية طالبان الباكستانية، فإن بنودهما جاءت واضحة ومباشرة، وتعكس خبرة تاريخية طويلة في إدارة النزاعات الحدودية، لدى قبائل باكستان وأفغانستان. وتمثلت أبرز البنود بوقف فوري لإطلاق النار، ومنع أي تحركات عسكرية استفزازية، مع إشراف المجالس القبلية المشتركة في باكستان وأفغانستان على مراقبة الالتزام بالاتفاق. بالإضافة إلى القرار بحل النزاعات عبر الاجتماع القبلي المسمى محلياً بـ"جرغه" (اجتماع قبلي موسع ومجلس تقليدي رفيع المستوى)، بدلاً من التصعيد العسكري، مع إعادة القوات العسكرية للدولتين إلى مواقعها السابقة. علاقات اجتماعية ممتدة وفي تعليق على الاتفاقيتين، قال الإعلامي الباكستاني، طاهر خان، وهو من قبائل مهمند، إن الميزة الأساسية في هكذا اتفاقيات، سواء كان في كنر أو نورستان، أنها "لا تعتمد على آليات دبلوماسية رسمية معقدة، بل على شبكة العلاقات الاجتماعية الممتدة بين القبائل على جانبي الحدود" بين باكستان وأفغانستان. طاهر خان: العائلات في هذه المنطقة ترتبط بروابط نسب ومصاهرة وتاريخ مشترك يتجاوز الحدود السياسية الحديثة وأوضح في حديث لـ"العربي الجديد"، أن العائلات في هذه المنطقة "ترتبط بروابط نسب ومصاهرة وتاريخ مشترك يتجاوز الحدود السياسية الحديثة"، مؤكداً أن "هؤلاء هم المستفيدون أولاً من هذه الاتفاقيات كما كانوا هم الضحية الحرب". وشدد على أن "إبرام الاتفاقيتين جاء برضا الحكومتين الأفغانية والباكستانية، ولكن كان للقبائل ضغوط شديدة". من جانبه أعلن المتحدث باسم الخارجية الباكستانية، طاهر حسين أندرابي، في مؤتمر صحافي من إسلام أباد يوم الخميس الماضي، أن باكستان ترحب بتلك الاتفاقيات وتبذل جهودها في كل اتجاه يأتي بالسلام والأمن وحل المشاكل مع أفغانستان. على الطرف الآخر، لم تعلّق حكومة طالبان رسمياً على القضية، إلا أن مصدراً في حكومة طالبان قال لـ"العربي الجديد"، إن كابول أيضاً تدعم هذه المبادرات باعتبارها "وسيلة فعالة لمنع التصعيد دون الدخول في مفاوضات حول قضايا حساسة كقضية خط ديورند". وحول أهمية تلك الاتفاقيات، قال الإعلامي الباكستاني محمد نويد خان، لـ"العربي الجديد"، إن هذه الاتفاقيات التي أبرمتها القبائل البشتونية على طرفي الحدود مهمة جداً لها وللبلدين أيضاً، وهي "تشير إلى الدور التاريخي الذي كانت تلعبه القبائل" في باكستان وأفغانستان. وتشير في رأيه، إلى أن "القبائل لم تعد مجرد وسيط اجتماعي، بل تحولت إلى فاعل سياسي وأمني مباشر، إذ في ظل غياب الثقة بين الحكومتين، أصبحت الزعامة القبلية قادرة على تحقيق ما عجزت عنه جهود الدبلوماسيين ومساعي الحكومتين، الأفغانية والباكستانية".  محمد نويد خان: القبائل بدأت تستعيد قوتها ونفوذها لأنها الضحية الأولى من الحرب وأوضح أن تلك الاتفاقيات تشير أيضاً إلى أن "القبائل التي ضعفت بفعل التطورات التي شهدتها المنطقة خلال عقدين من الزمن، بدأت تستعيد قوتها ونفوذها، لأنها الضحية الأولى من الحرب التي دمرت كل مناحي حياتها، حيث التجارة توقفت، والمدارس أغلقت، والعائلات انقسمت، كما نرى يومياً السكان يضطرون إلى النزوح". وبالنظر إلى كل تلك الأثمان الباهظة، لا توجد أمام القبائل، وفق خان، حلول سوى العودة إلى "إلى المواثيق القبلية التي تعتبر أقوى المواثيق، لأن الأعراف القبلية تدعمها، والقبائل تقف صفاً واحداً للحفاظ عليها، وهي أقوى من كل الاتفاقيات الرائجة بين الدول". من جهته، رأى الزعيم القبلي ولي الرحمن خوجياني (من قبيلة وزير على الجانب الأفغاني)، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "القبائل على مر التاريخ لعبت دورها في المنطقة، سواء كان لحل النزاعات، أو الدفاع والوقوف في وجه المحتل حفاظاً على أرضها وكرامتها". ولفت إلى أن الاجتماع القبلي الذي يسمى محلياً بـ"جرغه" يعد "الوسيلة الأكثر فاعلية لاحتواء الأزمات"، مضيفاً أنه "خلال العقود الماضية، وخصوصاً بعد ترسيم خط ديورند، كان للقبائل دور ريادي في حل النزاعات" التي طرأت بشأنه بين باكستان وأفغانستان. ولفت إلى أن "بعد عام 2001، وعلى إثر سيطرة القوات الأجنبية والأميركية على أفغانستان، فقدت القبائل جزءاً كبيراً من قوتها وزعامتها، وذلك بعد أن دخل إليها (مناطق القبائل) الجيش الباكستاني". ومعلوم، وفق خان، أن "باكستان كانت ترغب في القضاء على قوة تلك القبائل، وقد فعلت ذلك بدعم من أميركا، غير أن الانسحاب الأميركي من أفغانستان، وعودة طالبان إلى الحكم في عام 2021، أعادا للقبائل مجالاً أوسع للتحرك، وذلك لأن طالبان الأفغانية هم أبناء من قبائل البشتون، الموجود جزء منها على الجانب الباكستاني (يفصل خط ديورند بين قبائل بشتونية واحدة)".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية