عربي
حتى وقت قريب، كان ذكر اسم "التجمع الوطني" الفرنسي كافياً لإثارة الاستنكار والإدانة في أوساط فرنسية واسعة تُقصي الحزب اليميني المتطرّف مما يُعرف في فرنسا بـ"القوس الجمهوري"، أي دائرة القوى والأحزاب المقبولة سياسياً وأخلاقياً. لكن المشهد تغير اليوم. لم يعد الحزب، الذي عُرف حتى عام 2018 باسم "الجبهة الوطنية"، مجرد فزاعة انتخابية، بل تحول تدريجياً إلى قوة سياسية يتعامل معها الجميع في فرنسا، من مواطنين وسياسيين، بوصفها مرشحة جدية لحكم البلد بدءاً من ربيع 2027، موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة. وصار رئيس الحزب، جوردان بارديلا (30 عاماً)، يجلس وجهاً إلى وجه مع كبار أرباب العمل في البلد، يناقش معهم رؤيته للحكم في حال انتُخب رئيساً. كل هذا أمام أعين الإعلام الذي لم يعد الحزب يغيب عنه يوماً، وهو حضورٌ "طبيعي" بالنسبة إلى قيادات الحزب، خصوصاً أنّ "التجمع الوطني بات يمثل في نظر الفرنسيين بديلاً حقيقياً عن السلطة القائمة"، بحسب ما يقول متحدث من مكتب مارين لوبان لـ"العربي الجديد".
استراتيجية "نزع الشيطنة"
والحال أن الحزب، الذي ارتبط اسمه طويلاً بالعنصرية والكراهية، صار أكثر من مجرد ظاهرة احتجاجية عابرة. فبعد إخفاقه في الوصول إلى الرئاسة في انتخابات 2017 و2022، مع هزيمة مرشحته مارين لوبان في الدور الثاني أمام إيمانويل ماكرون في المرتين، تبنّى استراتيجية قائمة على "نزع الشيطنة"، بحسب تسمية الإعلام الفرنسي. وتعني هذه الاستراتيجية اشتغاله على تلميع صورته إعلامياً وإظهار "قطيعة" مع إرث مؤسسه جان ماري لوبان، بحيث يُستبدل خطاب كان لا يتحرج من العنصرية والكراهية ويفتخر بأنه "مناهض للنظام" بخطاب أكثر مقبولية وانفتاحاً، في الظاهر على الأقل. ومن هذا، مثلاً، تصدير الحزب مواقف تدافع عن حقوق المرأة، أو طرده لأعضاء أدلوا بتصريحات عنصرية التقطها الإعلام، فضلاً عن تبنيه خطاباً أكثر ليبرالية حول العمل وتقربه أكثر فأكثر من أصحاب رؤوس الأموال. بل ذهب الحزب أبعد من الخطاب السياسي بهندسته، الشهر الماضي، لتغطية إعلامية واسعة لقصة بارديلا الغرامية مع الأميرة ماريا كارولينا دي بوربون، في ما يبدو محاولةً لإضفاء هالة من الإنسانية واللطف على شخصيته.
جان فيار: حين لا ينتمي المرء إلى طبقة اجتماعية يمكنها أن تجيب عن أسئلة حول مستقبله فإن الهوية والأصل ولون البشرة والدين تعرض نفسها في سوق الانتماءات
على أن هذا التحول في مكانة "التجمع الوطني" ليس ثمرة جهود الحزب نفسه، كما قال عالم الاجتماع الفرنسي جان فيار، بل نتيجة لتغيّرات أوسع في نسيج المجتمع الفرنسي. وأوضح فيار، في حديث إلى "العربي الجديد"، أنه "بعد تآكل الطبقات الاجتماعية التقليدية، صار الناس يبحثون عن انتماءات جديدة تملأ هذا الفراغ. وحين لا ينتمي المرء إلى طبقة اجتماعية يمكنها أن تجيب عن أسئلة حول مستقبله، فإن الهوية والأصل ولون البشرة والدين تعرض نفسها، إن جاز التعبير، في سوق الانتماءات. هذا ما يبيعه التجمع الوطني لجمهوره". وأضاف أن "الشعور العميق لدى بعض الشرائح بأن المجتمع الفرنسي في صورته القديمة ينهار"، يساهم في تدعيم حضور اليمين المتطرف واليمين التقليدي، إذ يتحولان في هذه المعادلة إلى "إطار يجمع هؤلاء الذين تقلقهم هذه التحوّلات بشكل كبير".
وهو ما التقطه "التجمع الوطني" وبنى عليه منذ سنوات طويلة، مستغلاً مخاوف هذه الشرائح وسخطها المتزايد على النخب الباريسية التي تحكم البلد، والتي يُنظر إليها بوصفها منفصلة عن هموم هؤلاء الناس. في هذا السياق يقرأ اختيار الحزب لمدن هامشية على المشهد الفرنسي موقعاً لاجتماعاته واحتفالاته. ففي الأول من مايو/أيار الحالي، وبينما كانت النقابات وأحزاب اليسار وبعض جماهيره تسير في شوارع باريس وبعض المدن الكبرى احتفالاً بعيد العمال، اختار "التجمع الوطني" الاحتفال بالمناسبة وبما يسميه "عيد الأمة" في مدينة ماكون، التي يربو تعداد سكانها بقليل على 35 ألفاً، والواقعة في إقليم بورغون فرانش كونتيه، أحد أكثر الأقاليم الفرنسية ريفيةً وأقلها سكاناً. ورغم ذلك، استطاع المنظمون جمع أكثر من أربعة آلاف مناصر في القاعة، في حين تجمع نصف هذا العدد تقريباً من المعارضين لليمين المتطرف في الشوارع القريبة. وفي هذا الجو ألقى كل من مارين لوبان وجوردان بارديلا كلمته بالتوالي، في مشهد قد يكون الأخير من نوعه، قبل نحو شهرين من القرار الذي ستصدره محكمة الاستئناف في باريس في قضية اختلاس أموال من البرلمان الأوروبي، قد تمنع لوبان من الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة.
ويمثّل اختيار مدينة هامشية مثل ماكون جزءاً من القطيعة التي تريد إدارة الحزب الجديدة تصديرها، بعد أن كان تقليد "الأب المؤسس" جان مارين لوبان يقضي منذ عقود بالاحتفال بعيد العمال وسط باريس. وتؤتي سياسة التوجه نحو "فرنسا المنسية" ثمارها كما يبدو، إذ لا ينفك الحضور السياسي لـ"التجمع" بالتوسع في المدن المتوسطة والصغيرة، وهو ما أكدته الانتخابات البلدية الأخيرة، التي عُقدت في مارس/آذار الماضي. إذ انتزع مرشحو الحزب 57 بلدية في الدوائر التي يتجاوز عدد سكانها 3500 نسمة، مقابل 9 بلديات في انتخابات 2020. كما بات للحزب أكثر من ثلاثة آلاف مستشار بلدي يتوزعون على 84 منطقة، فضلاً عن رئاسته، لأول مرة في تاريخه، خمسة تجمعات مشتركة بين البلديات.
ولا يتوقف هذا التمدد على بعده الرمزي، بل له تأثير فوري على تحضيرات الحزب للانتخابات الرئاسية المقبلة. إذ يملك كل عمدة حق توقيع تزكيات لمرشحي الاستحقاق الرئاسي، الذين يفرض عليهم القانون الفرنسي جمع 500 توقيع من 30 منطقة إقليمية مختلفة. وبرفعه عدد رؤساء بلدياته، إضافة إلى البلديات التي وصل فيها حلفاء له من حزب "اتحاد اليمين من أجل الجمهورية"، وهو أيضاً حزب يميني متطرف، يكون "التجمع الوطني" قد اقترب بشكل كبير من ضمان التوقيعات المطلوبة، التي سيوفرها له أيضاً نوابه في البرلمان (122) ومستشاروه في المجاس الإقليمية (248)، وهو ما "يريحه" من تضييع الوقت ويتيح له "التفرّغ" لحملته الانتخابية، بحسب ما قال بارديلا غداة الإعلان عن نتائج الانتخابات البلدية.
على أن هذا الاختراق في البلديات، الذي سارع الحزب إلى تصديره إعلامياً بوصفه انتصاراً ودليلاً على "ترسخه" في البلد، أظهر في الوقت نفسه حدود خطابه عن "فرنسا المنسية"، وهي حدودٌ يمكن رسمها عند مداخل المدن الكبرى، التي لم يستطع الحزب الفوز في أي منها. لكن المصدر الذي تحدث إلى "العربي الجديد" من مكتب لوبان يرفض النظر إلى هذه النتائج بوصفها دليلاً على محدودية الحزب. ودافع عن هذا القول بالإحالة إلى المكانة التي يحتلها "التجمع الوطني" في البرلمان: "يشكّل حزبنا القوة السياسية الأولى في البرلمان. لا أقول أبرز قوة سياسية معارضة فحسب، بل أبرز قوة بشكل عام، وذلك أمام الحزب الرئاسي نفسه. نحن، على هذا الأساس، الحزب الأول في فرنسا اليوم". وإذا كان عدد نواب الحزب هو الأكبر بالفعل في البرلمان، أمام حزب "النهضة" الرئاسي (91) و"فرنسا الأبية" اليساري (71)، فإن الحديث عن كونه "الحزب الأول" في البلد يبقى أقرب إلى شعار منه إلى حقيقة، وهو لا يُغني عن الإجابة عن السؤال الذي يلاحق الحزب منذ زمن طويل: لماذا تُفلت منه الرئاسة في كل مرة يقترب منها؟
هنا، تذكر فيار ما جرى في النصف الثاني من التسعينيات عندما طبّقت بعض بلديات "الجبهة الوطنية" برنامجها بحذافيره، بما فيه من تخفيض للمصاريف، وقطع الإعانات عن الجمعيات والمؤسسات، وممارسة الرقابة على الثقافة: "اكتشف الناخبون أن ما أقنعهم في الخطاب كان لا يُطاق عند الممارسة. البلديات التي طبقت برنامج اليمين المتطرف، مثل تولون وفيترول، سقطت في الانتخابات التالية". ولم يخفِ عالم الاجتماع الفرنسي أن الحزب تعلّم من هذا الدرس وبات يتصرف اليوم بحذر أكبر في سياساته، لكنه أشار إلى أن الحذر التكتيكي خلال الحملة الانتخابية شيء، وتقديم مشروع قابل للتطبيق شيء آخر. وقال: "عطب التجمع الوطني قائم في بنيته نفسها. فهو يخاطب في آنٍ واحد جمهورين لا يمكن إرضاؤهما معاً: طبقات شعبية غاضبة من العولمة وانفتاح الأسواق والحدود وتطلب من الحزب أن يحميها منها، ورجال أعمال مستفيدين من هذه العولمة ويريدون من الحزب أن يجلب لهم الطمأنينة الاجتماعية اللازمة للربح في ظلّها. هذا التوازن قابل للصمود عندما تكون في المعارضة، حيث يكفي الاحتجاج كوسيلة لوجودك سياسياً، لكنه ينهار ما أن تصبح مفاتيح السلطة في يديك. لا أحد يعرف كيف ستُشغل الشركات إن طبقنا أفكار اليمين المتطرف وأوقفنا تدفق المهاجرين. انظر ما يجري في إيطاليا وإسبانيا، أصحاب رؤوس الأموال والشركات يقولون: نحن بحاجة إلى الهجرة".
مصدر من مكتب لوبان: التجمع الوطني بات يمثل في نظر الفرنسيين بديلاً حقيقياً عن السلطة القائمة
لا مرشح محدداً لحزب "التجمع الوطني"
وإذا كان هذا التناقض يُفسر جزءاً من عجز الحزب عن تقديم مشروع اقتصادي متماسك، فإن إشكاليةً أخرى، لا تقل تعقيداً، تلقي بظلالها على كل ما سبق، وتتمثل بعدم تحديد "التجمع الوطني" حتى الآن هوية مرشحه للرئاسة، فمارين لوبان، التي أمضت عقداً في إعادة بناء الحزب وإبعاده عن إرث أبيها، تنتظر حكماً قد ينهي مسيرتها السياسية. فقد صدر بحقها في مارس 2025 حكم ابتدائي يقضي بمنعها من الترشح خمس سنوات وبخضوعها للمراقبة سنتين من خلال سوار إلكتروني، وذلك في قضية اختلاس أموال من البرلمان الأوروبي. وبعد استئنافها القضية، ستصدر المحكمة قرارها النهائي في السابع من يوليو/تموز المقبل. وكي تتمكن لوبان من خوض الرئاسيات المنتظر إقامتها نهاية إبريل/نيسان 2027، لا يجب أن تتجاوز عقوبة الحرمان من الترشح التي قد تُقرها محكمة الاستئناف سنتين، إذ تُحتسب العقوبة من تاريخ صدور الحكم الابتدائي.
وأعلنت لوبان أنها ستتخذ قرارها بشأن ترشحها فور صدور حكم الاستئناف، من دون انتظار أي قرار مستقبلي لمحكمة النقض، مؤكدة أن جوردان بارديلا سيكون مرشح الحزب في حال تعذّر عليها الترشح. لكن لوبان ذاتها عادت وأعلنت، نهاية الشهر الماضي، أنها تتمنى مواجهة رئيس الوزراء السابق إدوار فيليب في الدور الثاني، معتبرةً أنه أفضل ممثل للمعسكر الذي ترى فيه منافسها الأبرز: الوسط. وهو ما يشير إلى تمسكها بأمل الترشح حتى اللحظة الأخيرة. وبعدها بثلاثة أيام فقط، خرج بارديلا، في اجتماع ماكون مطلع هذه الشهر، ليقول رأياً آخر تماماً في فيليب، إذ دعاه إلى "تغطية رأسه بالرماد وطلب الصفح من الشعب الفرنسي"، متهماً إياه بالمساهمة في "تدمير" البلد مع نظرائه من معسكر الرئيس إيمانويل ماكرون. ولعل هذا التباين في خطاب قائدَي الحزب أصدق تعبير عن الحالة التي يعيشها. فهو مرشح قبل أغلب استطلاعات الرأي للفوز بالرئاسة، لكن المسافة بين تصدّر الاستطلاعات والوصول الإليزيه لا تزال، بالنسبة إلى "التجمع الوطني"، المسافة الأصعب.

أخبار ذات صلة.
"عبور شائك" لباسمة التكروري.. حرب كلّ يوم
العربي الجديد
منذ 10 دقائق