مراكز الحوثي الصيفية.. مصانع لتفخيخ الوعي - عبدالرزاق قاسم
حزبي
منذ 19 ساعة
مشاركة
في لحظة فارقة من تاريخ اليمن، أحكمت جماعة الحوثي قبضتها على العاصمة صنعاء، وأسقطت مؤسسات الدولة، واستولت على مقدراتها العسكرية والأمنية والإدارية، ثم شرعت في فرض مشروعها الطائفي والسلالي على المجتمع بالقوة والإكراه، ليتحول الأمر من كونه مجرد انقلاب على سلطة سياسية قائمة، إلى عمل ممنهج على إعادة تشكيل هوية اليمنيين ووعيهم الجمعي وفق رؤية مذهبية خبيثة تؤمن بالتمييز السلالي وتمنح فئة بعينها حق الوصاية والسيطرة على الناس تحت غطاء الإدعاء ديني.

ورغم ما امتلكته الجماعة من نفوذ وسلاح وأجهزة قمع، فقد اصطدمت بحقيقة عميقة لم تستطع تجاوزها؛ وهي أن المجتمع اليمني لم يتحول إلى حاضنة حقيقية لمشروعها، ولم يندمج وجدانياً وفكرياً مع أفكارها الطائفية، وما بدا في ظاهره خضوعاً واسعاً لم يكن في جوهره سوى " مهادنة "  فرضته القبضة الأمنية، وسياسات البطش والتنكيل، وحالة الرعب التي صنعتها الجماعة في مناطق سيطرتها، ولهذا ظل الحوثي يدرك أن المجتمع الذي أخضع بالقوة قد ينقلب عليها متى ما سنحت الفرصة وتراجعت سطوة السلاح.

من هنا تشكلت لدى الجماعة قناعة راسخة بأن السيطرة العسكرية( وإن كانت صلب القوة التي تعتمد عليها ) لا تكفي وحدها لترسيخ مشروعها وضمان استمراره، وأن إخضاع المجتمع أمنياً لا يوازي كسبه فكرياً وثقافياً، لذلك اتجه الحوثي إلى معركة أكثر خطورة وعمقاً؛ معركة إعادة صياغة الوعي الجمعي، وصناعة أجيال مؤدلجة تؤمن بأفكاره وتتعامل معها باعتبارها حقائق دينية ومسلمات مقدسة لا يجوز مساءلتها أو الاعتراض عليها.

في هذا المسار، احتل قطاع التعليم موقعاً محورياً ضمن استراتيجية الجماعة، باعتباره المساحة الأوسع للتأثير على العقول وتوجيه الأجيال، وعمل الحوثي على تحويل العملية التعليمية إلى أداة تعبئة مذهبية، وأعاد صياغة المناهج الدراسية بما يخدم مشروعه الطائفي والسلالي، ودفع باتجاه تكريس مفاهيم التقديس للجماعة وربط الدين بقيادتها، مع غرس أفكار الاصطفاء والاستعلاء في أذهان الطلاب منذ المراحل الأولى للتعليم.

ولأن المدرسة وحدها لا تحقق الغاية التي يسعى إليها المشروع الحوثي، فقد منحت الجماعة ما تسميه المراكز الصيفية أهمية استثنائية، وحولتها إلى واحدة من أخطر أدوات الاستقطاب والتلقين العقائدي، وفي كل عطلة صيفية، تستدرج الجماعة آلاف الأطفال والفتيان إلى هذه المراكز، يخضعون فيها لساعات طويلة من التعبئة الفكرية المغلقة، في بيئة معزولة عن أي خطاب مختلف أو مساحة للرقابة الأهلية والمجتمعية.

وتتضاعف خطورة هذه المراكز حين نعلم أن الجماعة تستهدف أطفالا في أعمار شديدة الهشاشة، تبدأ من الخامسة والسادسة وتمتد إلى الثانية عشرة وما بعدها، وهي المرحلة الأكثر قابلية للتأثر وإعادة التشكيل النفسي والفكري، ليلقن الأطفال مفاهيم الطاعة المطلقة، وثقافة العنف، وخطاب الكراهية، ويدفع بهم إلى تبني رؤية ترى الجماعة ممثلا حصريا للدين، فيما يصور المختلفون معها باعتبارهم خصوما للعقيدة والهوية والإيمان.

لقد تجاوزت شعوب العالم منذ قرون طويلة أفكار الاصطفاء العرقي والتفوق السلالي، وأسقطت أنظمة حاولت تكريس هذه النزعات وإلباسها ثوب القداسة، غير أن الحوثي ما يزال يسعى إلى إعادة إنتاجها في اليمن، مستثمرا العاطفة الدينية لدى الناس، كغطاء يمنح مشروعه قداسة مصطنعة، ويبرر عبرها السعي لفرض الوصاية على المجتمع والدولة والناس كافة.

وعلى هذا الأساس، فإن معركة اليمنيين مع الحوثي تتجاوز حدود الصراع السياسي على السلطة، وتمتد إلى معركة دفاع عن هوية المجتمع، وعن فكرة الدولة الوطنية، وعن حق الإنسان اليمني في أن يعيش مواطنا حرا لا تابعا لمشروع كهنوتي قائم على السلالة والتمييز، وهي معركة وعي بالدرجة الأولى، لأن الجماعة تدرك أن بقاءها الحقيقي لا يتحقق بالبندقية وحدها، وإنما بصناعة جيل يتشبع بأفكارها، ويتعامل معها باعتبارها جزءا من الدين والحقيقة والتاريخ.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية