ماذا نعرف عن لغز شحنة السلاح الأميركية المفقودة لأكراد إيران؟
عربي
منذ ساعة
مشاركة
على نحو متصاعد، تتفاعل منذ أيام في أربيل والسليمانية في إقليم كردستان العراق، أزمة جديدة تتعلق بقضية اختفاء شحنة الأسلحة الأميركية التي تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن إرسالها إلى جماعات كردية معارضة لإيران موجودة داخل الإقليم. بين النفي الكامل والتلميح إلى تورط جهة كردية دون أخرى، تتراشق وسائل الإعلام والأحزاب الكردية الرئيسية في إقليم كردستان قضية وصول السلاح وسرقته، واتسعت في الأيام الأخيرة، إلى أكراد إيران وسورية وتركيا، من دون تقديم أي دليل أو تأكيد فعلي لوصول أسلحة أميركية موجهة إلى أكراد إيران. وكان مسؤولون أميركيون تحدثوا لوسائل إعلام أميركية، في اليوم الثاني للحرب على إيران (1 مارس/آذار الماضي)، عن إمكانية وجود "دور" للجماعات الكردية الإيرانية، الموجودة في مناطق غرب إيران على الحدود مع العراق، وداخل إقليم كردستان، في هذه الحرب. الحديث عن الدور الكردي في سياق الحرب على إيران، جاء ضمن تأكيد على توسيع أهداف الحرب لإسقاط النظام، عبر خلخلة الوضع الداخلي الإيراني. بالتزامن مع هذه التقارير أجرى ترامب، اتصالاً هاتفياً مع زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، مصطفى الهجري، المطلوب الأول لإيران والمحكوم غيابياً بالإعدام، وهو أول اتصال من نوعه لرئيس أميركي مع زعيم جماعة كردية إيرانية. كما أجرى اتصالين هاتفيين بالتتابع مع مسعود البارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني الحاكم في أربيل، وبافل الطالباني زعيم حزب الاتحاد الوطني الكردستاني الحاكم في السليمانية والمعروف بقربه من إيران، وذلك يومي الثاني والثالث من مارس الماضي، وفقاً لما كشفه موقع أكسيوس الأميركي، وقتها، نقلاً عن مسؤولين في البيت الأبيض. وخلال هذه الفترة أوردت تقارير غربية معلومات عن تعويل أميركي على أكراد إيران في الداخل الإيراني. في الخامس من إبريل/نيسان الماضي نقلت شبكة فوكس نيوز الأميركية تصريحات لترامب، أكد فيها أن الولايات المتحدة أرسلت أسلحة إلى معارضين إيرانيين أكراد، قائلاً: "أرسلنا لهم الكثير من البنادق. أرسلناها إلى الأكراد". وختم حديثه بعبارة: "لكن أعتقد أن الأكراد احتفظوا بها"، دون أن يذكر تفاصيل أخرى. في الأيام اللاحقة، كرّر ترامب التصريح ذاته، لكن بعبارة أكثر وضوحاً وهي "سرقة"، حيث نقل موقع "ديلي بيست" في الأول من مايو/أيار الحالي عن ترامب تصريحات أكد فيها أنه "غير سعيد" بطريقة تسليم الأسلحة، وإن "كمية صغيرة" من الأسلحة أُرسلت إلى الأكراد، مضيفاً: "سنرى من لديه هذه الأسلحة، لست سعيداً بما حدث مع الأكراد. الأكراد لم يسلّموا الأسلحة"، وهي عبارة فُهم منها وجود وسيط كان يجب أن يُسلم هذه الأسلحة إلى أكراد إيران فيما كانت أصابع الاتهام بالتأكيد متجهة نحو إقليم كردستان الذي يضم أكبر قاعدة عسكرية أميركية "حرير"، إلى جانب علاقات أمنية وسياسية وثيقة مع القيادة الكردية في الإقليم. كما أشار موقع "ديلي بيست" إلى أنه لم يحصل على تعليق من البيت الأبيض حول القضية، غير أنه أشار إلى أن الأسلحة التي يقصدها ترامب كانت مرسلة إلى "جماعة كردية مقرها شمال العراق" وكان يجب أن تُسلّم إلى أكراد إيران وهذا لم يحصل. وباستثناء تصريحات ترامب بشأن عدم وصول الأسلحة إلى أكراد إيران لم يُعلّق على القضية أي من مسؤولي الإدارة الأميركية. كما أن التقارير الأميركية في هذا الصدد لم تُقدّم وثائق أو أي معلومات حول من هم المقصودون الذين لم يُسلموا شحنة السلاح إلى أكراد إيران وهل هم الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني، أم حزب الاتحاد الكردستاني، بزعامة بافل الطالباني، أم حكومة الإقليم الرسمية ذاتها، أم "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) التي تمتلك علاقات مهمة مع بعض الأذرع الكردية الإيرانية، وما هو نوع السلاح وكميته، وطريقة إيصال هذه الشحنة؟ هذه الأسئلة بقيت بلا جواب رسمي واضح، ما جعل القضية تتفاعل في الإقليم المحتقن أساساً بمشهديه السياسي والأمني. النقطة الأهم أن أنقرة التي تتعامل بحساسية بالغة جداً مع أي مسألة تتعلق بوصول سلاح أو دعم عسكري للقوى والأطراف الكردية الموجودة في المثلث العراقي الإيراني التركي، لم تُعلق على القضية لغاية كتابة هذا التقرير. أكراد إيران ينفون وصول أسلحة أميركية إليهم ميدانياً، سارعت القوى الإيرانية الكردية المعارضة، وأبرزها، الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، المعروف اختصاراً بـ"حدكا"، وحزب "كومله"، الذراع الشيوعية الكردية الأبرز في إيران، ومنظمة "خبات" القومية الكردية، وحزب "الحياة الحرة" (بيجاك) المقرب من حزب العمال الكردستاني المعارض لأنقرة، لنفي وصول أي أسلحة لها، أميركية أو غير أميركية. وذهبت بعض بيانات تلك القوى إلى استنكار "الاتهامات"، واعتبرت تصريحات الرئيس الأميركي، بأنها تعطي ذريعة لإيران لشن المزيد من الهجمات عليها. وترافق هذا النفي مع بيان لحكومة إقليم كردستان، أكد عدم تسلم أي أسلحة وأن حكومة الإقليم "ليست ضمن أي حملة لتوسيع نطاق الحرب". وقال المتحدث باسم حكومة الإقليم، بيشوا هوراماني، في بيان في 5 مارس/آذار الماضي، إن "التقارير التي تتحدث عن دور لإقليم كردستان وتزعم تورطنا في مؤامرة لتسليح أحزاب المعارضة الكردية وإرسالها إلى الأراضي الإيرانية هي تقارير كاذبة تماماً"، مضيفاً أن "حكومة الإقليم والأحزاب السياسية ليست جزءاً من أي حملة لتوسيع نطاق الحرب". في المقابل واصل الحرس الثوري الإيراني شن الهجمات عبر المدفعية والطائرات المسيّرة، وبشكل متكرر على مواقع الجماعات الكردية الإيرانية المعارضة في إقليم كردستان، خاصة في مناطق كويسنجق وحاج عمران وسيدكان وسوران، وأدت إلى خسائر في صفوف هذه الجماعات، كان آخرها أول من أمس الأربعاء، وسط ترجيحات مسؤولين عراقيين أكراد، تحدث معهم "العربي الجديد"، بوجود دور للفصائل العراقية بشن هجمات أيضاً عبر طائرات مسيّرة على تلك الجماعات. وتكررت عبارات في بيانات الحرس الثوري، في تبني الهجمات، تتهم فيها الجماعات الكردية الإيرانية بتلقي دعم أميركي. التفاعل الأكبر في القضية جاء بعد ظهور بافل الطالباني، في مقابلة مع الصحافي البريطاني بيرس مورغان، قبل نحو ثلاثة أسابيع، لم ينف فيها وصول الأسلحة عند سؤاله، بالقول: "يمكنني التأكيد أن الأسلحة التي قال الرئيس الأميركي بأن الأكراد استولوا عليها لم تُسرق في السليمانية، وأنا لا أستطيع التحدث نيابةً عن الطرف الآخر بسبب وجود إدارتين مختلفتين"، في إشارة إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني في أربيل. وأضاف في المقابلة التي انتشر مضمونها داخل إقليم كردستان العراق الأسبوع الماضي: "حديث ترامب لم يأت من فراغ. ما حدث مُخزٍ جداً. صحيح أن استخدام الأكراد في الحرب دروعاً فكرة سيئة، لكن هذا لا يعني سرقة حلفائكم. نحن لا نريد سرقة الرئيس ترامب وهذا الأمر سيكون له تأثيرات سيئة جداً". وتابع: "يمكنكم التأكد من ذلك عبر فرقكم. نعم، نحن دولة، ولكن ليس بالمعنى المتعارف عليه، لدينا حكومة (في إقليم كردستان) لكنها ليست حكومة بالمعنى الحقيقي للكلمة". وعلى مدى الأيام الخمسة الماضية، تواصل "العربي الجديد"، مع مسؤولين وسياسيين أكراد في أربيل والسليمانية إلى جانب عضو بارز بحزب إيراني كردي يقيم في السويد. وكانت إفادات المسؤولين تشترك في عدم وجود أي دليل أو معلومة واحدة تؤكد وصول شحنة سلاح إلى أكراد إيران عبر إقليم كردستان. واستشهد أحدهم بسرعة تسرب معلومات وصور شحنات السلاح التي قدمتها واشنطن إلى "قسد" من خلال قاعدة "حرير" في إقليم كردستان بين عامي 2018 و2022. غير أن الاتهامات التي يطلقها أعضاء وكوادر حزب الاتحاد الوطني الكردستاني متواصلة في هذا السياق ضد أربيل. وقال مسؤول كردي رفيع المستوى في مدينة أربيل، لـ"العربي الجديد"، شريطة عدم الكشف عن هويته، إن "واشنطن ألغت فكرة تسليح أكراد إيران بسبب عدم تفاعل أكراد إيران مع الموضوع، ولم تُرسل أي أسلحة كما لم تُقدم أي دعم لهم، مثلما فهمنا ذلك، قبل وبعد أيام قليلة من بدء الهجوم على إيران". وأضاف: "أكراد العراق اعتبروا أن تورطهم في التحول وسيطاً لنقل سلاح، لن يجعلهم طرفاً في الحرب ضد إيران فقط، بل سيكون له تبعات مع تركيا وبغداد، عدا عن رفض لتكرار فكرة استعمال ورقة الأكراد عند الحاجة، بعد تجربة قسد وخيبة الأمل من الموقف الأميركي، وتحوله لصالح دمشق، وهو موقف شبيه بما فعلته واشنطن في قضية الاستفتاء بالانفصال عن العراق ومهاجمة الجيش العراقي لكركوك والسيطرة عليها عام 2017". وشدد المسؤول الكردي على نقطة عدم وصول سلاح أميركي من الأساس، بالقول إن "ما تحدث به ترامب غير دقيق وطلبنا من مسؤولين بالبيت الأبيض توضيح ذلك، لكن يظهر أن فكرة نفي كلام ترامب أو اعتبار تصريحاته غير دقيقة، صعبة على مسؤولي الإدارة الأميركية العاملين معه". وردّ مسؤول آخر عبر الهاتف على الموضوع بشكل مقتضب، بالقول إنه "لو وصلت إطلاقة (رصاصة) واحدة، لكان العالم عرف بها. الكلام الذي تحدث به ترامب غير صحيح، وهو لا يفهم الفرق بين أكراد إيران والعراق وسورية وتركيا، ويظنهم واحداً. طلبنا من مسؤول بالخارجية الأميركية توضيح هذه التصريحات، لكن لم يحصل شيء حتى الآن". ماجد شنكالي: قادة الأحزاب الكردية في الإقليم يرفضون أن يكونوا جزءاً من أي صراع خارجي وأوضح القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني، ماجد شنكالي، أن "الرئيس الأميركي قال إن الأكراد في العراق يدعمون متظاهرين إيرانيين، وتحدث عن سرقة الأسلحة المرسلة لهم، لكن قادة الأحزاب الكردية في الإقليم يرفضون أن يكونوا جزءاً من أي صراع خارجي، كما أن حكومة الإقليم لم تتساهل مع المعارضين الإيرانيين، وعملت على منع أي محاولة للمشاركة في الحرب الأخيرة على إيران". وبين، لـ"العربي الجديد"، أن "بعض المعلومات بهذا الشأن تبدو غير واضحة، والحزب الديمقراطي الكردستاني نأى بنفسه عن موضوع الأسلحة الأميركية هذه"، محذراً من أن "استمرار تبادل الاتهامات داخلياً لا يخدم المصلحة الكردية". على الجانب الآخر في السليمانية الخاضعة لإدارة حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، قال العضو البارز في الحزب غياث سورجي، لـ"العربي الجديد"، إن "أي متابع للوضع في إقليم كردستان، يعرف تماماً أن أربيل هي التي تسيطر على موضوع وصول الدعم العسكري أو الأسلحة، وعادة ما تكون الاتفاقات الكردية مع واشنطن، من قبل طرف كردي واحد وهو أربيل"، متحدثاً عن وجود "جنبة سياسية" في هذه القضية وتبادل الاتهامات جزء من الوضع السياسي الحالي. طائرات أميركية تهبط في أربيل مسؤول في المكتب السياسي بحزب الاتحاد الوطني الكردستاني في السليمانية، ردّ على سؤال "العربي الجديد"، حول أي أدلة على وصول الأسلحة الأميركية فعلاً، بالقول: "هناك طائرات أميركية تهبط وتقلع من مطار أربيل وقاعدة حرير، وهذا لا يحدث في مطار السليمانية بالتأكيد، لذا من يجب أن يُسأل هم حكومة أربيل، وبالتأكيد كلام ترامب له أساس حتى يتحدث به". وأضاف: "الحقيقة الوحيدة لدينا أن الأحزاب الكردية الإيرانية الموجودة في الإقليم لم تتسلم أي شيء، لذا إما أن الشحنة وصلت فعلاً كما قال ترامب، وتم الاستيلاء عليها، أو أنها لم تصل أساساً. ولسنا مُتهمين، لكن الآخرين نعم عليهم النفي والتوضيح". وقال سوران بيرفان، وهو عضو في حزب الاتحاد الكردستاني بالسليمانية: "نحن نبحث عن دليل عن وصول أسلحة فعلاً، لكن الحقيقة لم نتوصل لشيء حتى الآن يؤكد وصول هذه الشحنة التي تحدث عنها ترامب"، بحسب رد مكتوب عبر تطبيق واتساب لـ"العربي الجديد". وتساءل: "لماذا ينزعج البارتي (الحزب الديمقراطي الكردستاني) من تصريحاتنا حول الموضوع، ولا ينفي كلام ترامب مثلا؟". من جهته، أعرب ميلان سعيد، وهو باحث في الشأن السياسي الكردي، عن اعتقاده بأن "موضوع سرقة الأسلحة الموجهة إلى أكراد إيران غير صحيح، إذ لا يمكن لأي حزب كردي أن يمارس هذا الدور، وهنا لا بد من إعادة النظر بما يصدر عن ترامب، خصوصاً وأنه عادة ما يكذب ويقدم على ابتزاز الآخرين من خلال اتهامهم باتهامات ليس لها أي أساس على أرض الواقع". وأضاف، في حديثه مع "العربي الجديد": "كان على حكومة الإقليم أن توجه خطابها إلى الرئيس الأميركي للاستفسار منه عما يملك من معلومات بشأن اتهامه للأكراد، وعدم الوقوع في أزمة داخلية بين الحزبين الحاكمين في الإقليم". آرام بهزاد: الحديث عن شحنة الأسلحة الأميركية قد يكون جزءاً من فوضى التسريبات بهدف إرباك الإيرانيين داخلياً هذا الأمر وافقه عليه عضو في منظمة كردية إيرانية معارضة يقيم في السويد يدعى آرام بهزاد، الذي قال، لـ"العربي الجديد"، إن "الحديث عن شحنة الأسلحة الأميركية إلى أكراد إيران قد يكون جزءاً من فوضى التسريبات خلال الحرب، بهدف إرباك الإيرانيين داخلياً، إذ تم التأكد من مصادرنا الميدانية، ولا شيء على أرض الواقع"، معتبراً أن "ترامب يُحتمل أنه بالغ أو خلط بين نقاشات الدعم وبين عملية تسليم فعلية، وهو يفعل هذا دائماً حتى في ملفات داخل الولايات المتحدة". وأضاف أن "وصول سلاح جديد في منطقة مكشوفة أمنياً واستخبارياً وفيها مساحة عمل صحافي تنافسي كبير، بسبب تنافر الأجندات السياسية التي تملك المؤسسات الإعلامية، دون الكشف عن تفاصيلها، أمر في غاية الصعوبة". (شارك بالتقرير من بغداد زيد سالم)

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية