عربي
شهدت العاصمة الأفغانية كابول في الأيام الأخيرة حراكاً دبلوماسياً لافتاً، أعاد تسليط الضوء على موقع أفغانستان في المعادلات الأمنية الإقليمية والدولية، ذلك في ظل ما تشهده المنطقة من الصراعات، آخرها الحرب على إيران. وبرزت زيارتان للمبعوثين الروسي ضمير كابلوف والبريطاني ريتشارد ليندسي إلى كابول أواخر إبريل/نيسان الماضي، حيث عقد المسؤولان لقاءات موسعة مع كبار المسؤولين الأفغان. وتناولت الزيارتان ملفات الأمن الإقليمي، ونشاط الجماعات المسلحة، والتوتر المتصاعد بين أفغانستان وباكستان، إضافة إلى مستقبل التنسيق المحلي والإقليمي في مواجهة التنظيمات المتشددة التي تنشط في المنطقة.
وكانت زيارة ليندسي إلى كابول حازت اهتماماً كبيراً داخل الأوساط السياسية والإعلامية في باكستان، خصوصاً بسبب تصريحات المسؤول خلال الزيارة وبعدها حول الصراع الحدودي بين كابول وإسلام أباد على خط ديورند الحدودي بين البلدين، ومطالبته إسلام أباد بمراجعة سياساتها حيال كابول واحترام سيادتها. تلك التصريحات فُسرت في إسلام أباد باعتبارها أقرب إلى تبني الموقف الأفغاني، وهو ما أثار موجة من الانتقادات الرسمية وغير الرسمية في باكستان.
وفي الشأن، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية طاهر أندرابي، في بيان السبت الماضي، إن تصريحات المبعوث البريطاني غير دقيقة وأحادية، بل هي منحازة إلى الموقف الأفغاني، مؤكداً أن أصل المشكلة هي أن المسلحين يستخدمون الأراضي الأفغانية من أجل إرباك الأمن في باكستان، وأن بلاده تدافع عن نفسها، مع إعلانها مراراً أنها تحترم سيادة كافة الدول، لذا المشكلة هي أن باكستان معرضة للإرهاب وهي تدافع عن نفسها، بالتالي على المبعوث البريطاني أن يدرك هذا.
وفي تعليق له، قال المحلل السياسي نويد صديقي، لـ"العربي الجديد"، إن المبعوث البريطاني تبنى موقف حكومة حركة طالبان، والهدف هو الإساءة لسمعة باكستان دولياً وإقليمياً، مضيفاً أن ليندسي أكد أن هجمات باكستان أدت إلى مقتل المدنيين في أفغانستان، ولكن ذلك الأمر غير صحيح، معتبراً أن بريطانيا تتبنى موقفاً مناهضاً لباكستان، ومؤيداً للموقف الهندي والأفغاني، وهذا أمر مؤسف للغاية. وتابع: "يبدو أن انحياز باكستان إلى الولايات المتحدة والتقارب بين القيادة الباكستانية السياسية والعسكرية مع القيادة الأميركية، تحديداً الرئيس دونالد ترامب، جعلت كل تلك الدول مستاءة، ما جعلها تتحرك ضد باكستان، ومن تلك الدول بريطانيا وأفغانستان والهند، وهناك تنسيق كبير بين بعض الدول الأوروبية والهند لاستخدام الأراضي الأفغانية ضد أمن باكستان".
ولفت صديقي إلى أن "الوساطة الباكستانية بين الولايات المتحدة وإيران أثبتت للجميع أن إسلام أباد تريد الأمن في هذه المنطقة، ولكن دولاً أخرى مثل الهند وأفغانستان، ومعهما بعض الدول الأوروبية، لا تتحمل التقارب الأميركي الباكستاني من جهة، وما أحرزته إسلام أباد من السمعة الحسنة بسبب التطورات الأخيرة من جهة أخرى"، مشيراً إلى أن كل تلك الدول لا تريد أن تكون باكستان دولة رائدة في المنطقة، لكنها ستفعل ذلك رغماً عن كل تلك.
لندن تتبنى موقف كابول
محمد تنزيل: الدول الأوروبية تسعى لأن تلعب دوراً سياسياً وأمنياً أكبر في المنطقة
ورأى مراقبون في باكستان أن تصريحات المبعوث البريطاني لم تكن عفوية، بل هي تعكس توجهاً أوروبياً متزايداً لإعادة الانخراط في الملف الأفغاني بعد سنوات من التراجع إثر الانسحاب العسكري الغربي. وقال الإعلامي الباكستاني محمد تنزيل، لـ"العربي الجديد"، إن الدول الأوروبية تسعى لأن تلعب دوراً سياسياً وأمنياً أكبر في المنطقة، مستفيدة من الفراغ النسبي الذي نشأ نتيجة تغير أولويات القوى الكبرى، لذا المبعوث البريطاني تبنى الموقف الأفغاني وهو موقف معارض للموقف الباكستاني. واعتبر أن المبعوث البريطاني نسي تماماً أو تجاهل وجود الجماعات المسلحة في أفغانستان، وذلك لأن لباكستان الآن دوراً مهماً في المنطقة، وهذا ما لم تتحمله دول المنطقة. وأضاف تنزيل أن "القيادة العسكرية الباكستانية لا تبالي بكل تلك المواقف، وستواصل سياستها الحالية، وهي استخدام السلاح ضد الجماعات المسلحة الموجودة في أفغانستان، والتي هي عميلة للهند، ومنها طالبان الأفغانية وطالبان الباكستانية، وجيش تحرير بلوشستان".
تعزيز التنسيق الأمني بين روسيا وأفغانستان
على الضفة الأخرى، تلقت الأوساط الباكستانية زيارة كابلوف إلى كابول بهدوء وترقب، مع أنها لم تكن أقل أهمية من الناحية الاستراتيجية. فقد ركزت موسكو، وفق مصادر في حكومة طالبان، على تعزيز التنسيق الأمني مع كابول لمنع تمدد الجماعات المسلحة نحو آسيا الوسطى، وهي منطقة تعتبرها روسيا مجالاً أمنياً حيوياً لا يمكن السماح بزعزعته.
زيارت شاه وكيل: المجتمع الدولي بدأ يدرك أن تجاهل كابول لم يعد خياراً عملياً
وقال المحلل الأمني الأفغاني زيارت شاه وكيل، لـ"العربي الجديد"، إن "هناك قلقاً متزايداً لدى دول المنطقة من احتمال توظيف جماعات مسلحة مثل تنظيم داعش أو جماعة جند الله من أجل الضغط على إيران، أو زعزعة الاستقرار في المناطق الحدودية الحساسة، ولا شك في أن باكستان، أو على الأقل بعض الجهات الاستخباراتية فيها لديها خبرة ومهارة كاملة في ذلك. لكن في المقابل حكومة طالبان تواجه تلك التنظيمات، لا سيما داعش، من هنا ترى موسكو ودول المنطقة والعالم أن أفغانستان لا بد وأن تكون شريكاً ضرورياً في أي خطة إقليمية لمواجهة هذه التنظيمات، خاصة بعد أن أظهرت السلطات في كابول قدرة ملحوظة على الحد من نشاط تنظيم داعش خلال الفترة الماضية".
وأكد وكيل أن زيارتي المبعوثين البريطاني والروسي تعكسان تحولاً في النظرة الدولية تجاه أفغانستان، مشيراً إلى أن المجتمع الدولي بدأ يدرك أن تجاهل كابول لم يعد خياراً عملياً، لأن أي فراغ أمني في أفغانستان سينعكس مباشرة على دول الجوار، موضحاً أن باكستان تنظر بقلق إلى أي تنسيق أمني بين كابول ودول المنطقة والعالم، كما لا ترضى بتأييد أي دولة في المنطقة والعالم لموقف حكومة طالبان.
وذكر أن روسيا وبريطانيا ليستا الوحيدتين اللتين تريدان التنسيق مع الحكومة الأفغانية، بل كذلك الصين وإيران ودول آسيا الوسطى كلها تعمل من أجل رفع وتيرة التعاون مع كابول في كل المجالات، بالتالي لم تعد أفغانستان اليوم شريكاً تجارياً لدول آسيا الوسطى وروسيا والصين وإيران، بل هناك تنسيق استخباراتي كبير معها.
وحول التعاون الاستخباراتي بين أفغانستان ودول المنطقة، قال مصدر في الاستخبارات الأفغانية، لـ"العربي الجديد"، إن هناك تنسيقاً استخباراتياً وتعاوناً مع كل من روسيا وإيران والصين، وقد سلمت الاستخبارات الأفغانية معلومات مهمة للجانب الروسي حول تفجيرات وقعت في موسكو، والجانب الروسي بات مرحباً بهذا التعامل، كما أن هناك تعاملا بالمثل من الجانب الروسي، وهكذا مع إيران والصين وتركيا، ودول مهمة أخرى في المنطقة. وأكد المصدر أن "حكومة حركة طالبان كما تتعامل مع كل الدول في المجال الدبلوماسي، ولكن وفق أصولها، كذلك هناك تعامل أمني معها من أجل الحفاظ على أمن المنطقة، وكل استخبارات المنطقة تعرف أن "داعش" وتنظيمات أخرى تشكل خطراً على أمن المنطقة تحصل على الدعم من داخل باكستان، في حين أن أفغانستان باتت سداً منيعاً في وجه داعش، لذا دول المنطقة ترى أن التعامل مع كابول ضروري للغاية".
من جهة ثانية، تسود حالة احتقان في مناطق في شمال غرب باكستان خصوصاً، وفي كل المناطق التي تقطنها القبائل البشتونية والبلوشية في شمال البلاد وجنوب غربها، بعد اغتيال عالم الدين محمد إدريس، الثلاثاء الماضي، والذي كانت له أدوار دينية وسياسية كبيرة، آخرها مساعيه لأجل المصالحة بين أفغانستان وباكستان. وتبنى تنظيم داعش، في بيان، عملية اغتيال إدريس بالقرب من منزله في مدينة تشار سده القريبة من مدينة بيشاور، مركز إقليم خيبربختونخوا شمال غربي باكستان. وكانت لإدريس علاقات جيدة مع حكومة "طالبان" في أفغانستان، لأن العديد من قادة الحركة ومن مسؤولي الحكومة من تلامذته، وكان قد التقى، برفقة زعيم جمعية علماء الإسلام، المولوي فضل الرحمن، بزعيم "طالبان" المولوي هيبت الله أخوند زاده، في يناير/ كانون الثاني 2025، من أجل إيجاد حلول للقضايا العالقة بين باكستان وأفغانستان، وأكدا أن حكومة "طالبان" وافقت على حل كل القضايا، والتعاون في هذا المجال، لكن الجيش الباكستاني هو من لم يرضَ بالحل، وعمل من أجل تدمير ما قاما به. وقال الناطق باسم "طالبان" ذبيح الله مجاهد، في بيان الثلاثاء الماضي، إنّ عملية الاغتيال محاولة للقضاء على كل الجهود الرامية إلى إحلال الأمن في المنطقة.
