كيف عمل الحوثي على تدمير القبيلة وإعادة توظيفها لخدمة مشروعه؟
حزبي
منذ 3 أيام
مشاركة

لم يكن صباح يوم السبت 25 أبريل 2026 يومًا عاديًا في منطقة "عفي" بمديرية اليتمة، شرقي محافظة الجوف، فالهدوء الذي يلف المكان سرعان ما انكسر على وقع خبر صادم انتشر كالنار في الهشيم بين الأهالي، وهو اغتيال الشيخ محمد الصلاحي والذي سقط برصاص مسلح حوثي استهدفه، في رسالة بدت واضحة لكل من يعرفه أو يعرف طبيعة الصراع الدائر في المنطقة.

 

في المجالس القبلية، وعلى أطراف الطرقات الترابية، وفي وجوه الرجال الذين خيم عليهم الصمت، كان اسم "الصلاحي" يتردد محملاً بالغضب والأسئلة، لم يكن مجرد شيخ قبلي، بل أحد الأصوات التي رفضت الانكسار أمام الهمجية الحوثية، وأحد الذين لبّوا نداء "النكف القبلي" الذي أطلقته قبائل اليتمة في مواجهة الانتهاكات الحوثية، التي مسّت كرامتها ووجودها.

 

بحسب مصادر محلية، فإن عملية الاغتيال لم تكن وليدة لحظة، بل جاءت في سياق تصاعد التوتر بين المليشيا والقبائل. فالرجل، الذي عُرف بمواقفه الصريحة، كان قد انخرط مؤخراً في تحركات قبلية تهدف إلى وقف سياسة تضييق ممنهجة، تقوم بها مليشيا الحوثي والتي تشمل الاختطافات، والضغوط الاجتماعية، ومحاولات إعادة تشكيل البنية القبلية بما يخدم مشروعها الطائفي.

 

انتهاكات ممنهجة

 

جريمة اغتيال الشيخ الصلاحي، ليست حادثة منفردة، بل سلسلة ممتدة من الانتهاكات التي قامت بها مليشيا الحوثي ضد مشايخ القبائل والوجاهات الاجتماعية في مناطق سيطرتها منذ انقلابها على الدولة في 2014.

 

حيث كشفت تقارير حقوقية عن مقتل نحو 139 من المشايخ والوجاهات الاجتماعية، ولا يشمل هذا الرقم محاولات الاغتيال الفاشلة، أو حالات التهديد أو الاختطاف التي استهدفت عددًا من المشايخ والوجهاء على مدى أكثر من عشرة أعوام.

 

وللتذكير، تبرز جريمة مقتل الشيخ مسعد محمد المعزبي في مديرية القفر بمحافظة إب، أواخر فبراير 2018، كنموذج صارخ لطبيعة هذه الانتهاكات، حيث قُتل داخل أحد المقار الأمنية، وسقطت معه امرأة من أسرته، فيما أُصيب آخرون خلال اشتباكات سبقت مقتله، في واقعة عكست مبكرًا مستوى التوتر في العلاقة حتى مع شخصيات لم تكن في موقع مواجهة مباشرة مع المليشيا.

 

غير أن عام 2019 شكّل، بحسب مصادر حقوقية، منعطفًا لافتًا وُصف بـ"عام الغدر"، بعد تسجيل 22 انتهاكًا مباشرًا بحق مشايخ القبائل، توزعت بين 12 عملية تصفية، و5 حالات اختطاف، إضافة إلى تفجير ثلاثة منازل ومداهمة منزلين.

 

وفي أبريل من العام ذاته، قُتل الشيخ أحمد سالم السكني في صنعاء، مما فجّر احتجاجات قبلية واسعة، قوبلت بالرفض والتهديد. أما شهر يوليو، فكان الأكثر دموية، إذ شهد مقتل ستة مشايخ خلال شهر واحد، بينهم الشيخ سلطان محمد الوروري (37 عامًا)، الذي قُتل بعد استدراجه خارج قريته.

 

وامتدت سلسلة الانتهاكات إلى سبتمبر 2019 مع مقتل الشيخ أحمد الشعملي، ثم إلى أكتوبر من العام نفسه، حيث سُجلت عمليات تصفية إضافية، من بينها مقتل الشيخ طفيان علي طفيان، واعتقال الشيخ أحمد مصلح الحضرمي (55 عامًا) قبل تصفيته، إلى جانب استهداف شخصيات أخرى عبر الاختطاف أو إصدار أحكام بالإعدام، في مشهد يعكس اتساع دائرة الاستهداف وتنوع أدواته.

 

كسر تماسك القبيلة

 

لم يتوقف استهداف الشيخ محمد الصلاحي وما سبقه من حوادث بحق مشايخ ووجاهات القبائل منذ 2014 عند كونه وقائع منفصلة، بل يندرج ضمن مسار أوسع عملت من خلاله مليشيا الحوثي على إعادة صياغة علاقتها بالقبيلة اليمنية، من شريك اجتماعي تقليدي إلى كيان يجري إخضاعه وتوجيهه بما يخدم مشروعها السياسي والعسكري.

 

وقد تركزت أبرز أدوات هذا المسار في استهداف القيادات القبلية المؤثرة، سواء عبر القتل المباشر أو حملات الاختطاف، حيث طالت هذه العمليات مشايخ يمتلكون حضورًا اجتماعيًا واسعًا داخل قبائلهم، مما أدى إلى إضعاف مراكز التماسك الداخلي وإرباك القدرة على اتخاذ مواقف موحدة داخل المجتمعات القبلية، حتى في الحالات التي لم تكن مرتبطة بمواجهات عسكرية مباشرة.

 

وفي موازاة ذلك، لجأت المليشيا الحوثية إلى توظيف سياسة الاختطاف كأداة ضغط وابتزاز متعددة الأبعاد، إذ لم يقتصر الأمر على تغييب شخصيات قبلية، بل امتد لاستخدامهم كورقة تفاوض لفرض تنازلات ميدانية أو سياسية أو لإعادة ترتيب موازين القوة داخل القبيلة نفسها عبر دعم أطراف على حساب أخرى، بما يعمّق حالة الانقسام الداخلي.

 

ومع تكرار هذه الممارسات، تراجع الدور التقليدي للقبيلة كمنظومة اجتماعية قائمة على الأعراف والوساطة والتحكيم، لتتحول في عدد من المناطق إلى كيانات منقسمة أو خاضعة لسلطة الأمر الواقع، وفي أحيان أخرى إلى أدوات ضمن صراعات لا تعكس بالضرورة إرادتها أو بنيتها التاريخية.

 

إخضاع القبيلة وتفتيتها

 

لم يعد اتخاذ موقف قبلي رافض للمليشيا خيارًا ذا كلفة رمزية، بل أصبح خلال السنوات الأخيرة مخاطرة مفتوحة على احتمالات متعددة، إذ تشير تقارير وشهادات قبلية إلى اعتماد الحوثيين نمطًا تدريجيًا في الضغط على الشخصيات الاجتماعية الرافضة للانخراط في صفوفهم، يبدأ بحملات تشويه واتهامات، ثم يتطور إلى الاعتقال أو الإخفاء، وصولًا إلى التصفية في بعض الحالات، بهدف فرض معادلة تقوم على الولاء المباشر وإعادة ضبط المجال القبلي.

 

وفي هذا السياق، لم تعد حوادث الاستهداف معزولة، بل باتت تتكرر بصورة لافتة، من بينها مقتل أحد مشايخ مديرية حرف سفيان بمحافظة عمران في يوليو 2025، ضمن سلسلة تقول تقديرات إعلامية إنها تجاوزت 130 حالة من المشايخ والوجاهات الاجتماعية الذين قُتلوا في ظروف مرتبطة بهذا النمط من الاستهداف.

 

كما شهد الشهر نفسه حادثة أخرى في محافظة البيضاء، استهدفت الشيخ أحمد صالح الحطام، أحد أبرز مشايخ قيفة رداع، أثناء مروره في مدينة رداع، حيث أطلقت عليه نيران كثيفة من قناصة، مما أدى إلى تضرر سيارته ونجاته، في واقعة عززت المؤشرات على اتساع نطاق الاستهداف ليشمل أكثر من محافظة.

 

وتشير هذه الوقائع مجتمعة إلى أن استهداف مليشيا الحوثي للشخصيات القبلية لم يعد محصورًا في حالات فردية أو مناطق محددة، بل بات نمطًا ممتدًا وعابرًا للمحافظات في مناطق سيطرتها، يعكس تحولًا أوسع في طبيعة العلاقة بين المليشيا والبنية القبلية خلال السنوات الأخيرة.

 

صناعة رموز قبلية موالية

 

لم تكتفِ مليشيا الحوثي بسياسة استهداف المشايخ وإضعاف البنية التقليدية للقبيلة، بل اتجهت بالتوازي إلى بناء بدائل موالية تعيد من خلالها تشكيل المشهد القبلي من الداخل، وذلك عقب سيطرتها على صنعاء في 21 سبتمبر 2014، عبر الدفع نحو صناعة رموز قبلية جديدة تدين لها بالولاء وتعمل كأدوات نفوذ داخل مجتمعاتها.

 

وفي هذا السياق، برزت قبيلة أرحب كنموذج واضح لهذا التحول، إذ شهدت بعد 2014 مواجهات مع المليشيا عقب محاولات التمدد نحو مأرب، غير أن تعذر الحسم العسكري دفع الحوثيين إلى خيار مختلف يقوم على اختراق البنية الداخلية للقبيلة، عبر استمالة شخصيات مؤثرة وتقديم إغراءات مالية ومناصب، مما أدى إلى انقسام الموقف داخلها بين اتجاهات متباينة، بعضها انسحب نحو مأرب وشكّل لاحقًا نواة مقاومة، وأخرى بقيت ضمن دائرة النفوذ الحوثي.

 

ولم يقتصر هذا النهج على أرحب، بل امتد إلى محافظات عدة مثل ذمار والبيضاء وإب وتعز، ضمن سياسة تعتمد على تفكيك البنية القبلية وإعادة تركيبها عبر شبكات ولاء متفرقة، في مقابل تهميش المشايخ التقليديين أو إضعافهم أو استهدافهم، بما يتيح صعود شخصيات جديدة مرتبطة مباشرة بمراكز النفوذ.

 

ومع مرور الوقت، تغيّرت طبيعة الدور داخل القبيلة نفسها، إذ تراجع نموذج الشيخ التقليدي القائم على العرف والتوازنات الاجتماعية، لصالح شخصيات ترتبط بالسلطة وتستمد نفوذها من دعمها المباشر، وهو ما انعكس على استقلالية القرار القبلي، وجعله أكثر ارتباطًا بمصالح خارج بنيته التقليدية، في حين أظهرت بعض الحالات لاحقًا إمكانية الاستغناء عن هذه الشخصيات الموالية عند انتهاء الحاجة إليها، بما يعكس طبيعة العلاقة القائمة على الاستخدام المرحلي لخدمة مشروعها الطائفي.

 

مصادرة القبيلة

 

ضمن هذا الإطار، اتجهت مليشيا الحوثي إلى إضفاء طابع مؤسسي على حضورها داخل القبائل عبر إنشاء كيانات موازية، من أبرزها ما يسمى بـ"مجلس التلاحم القبلي"، الذي قُدّم كواجهة لتنظيم العلاقة مع القبائل، بينما يُنظر إليه كأداة لإدارة الولاءات وتوجيهها، من خلال إبراز شخصيات موالية ومنحها شرعية شكلية مدعومة ماديًا ومعنويًا.

 

وتشير معطيات ومتابعات ميدانية إلى أن هذا التوجه لم يكن مجرد إطار تنظيمي، بل ارتبط بهدف أوسع يتمثل في ضمان تدفق مستمر للمقاتلين نحو الجبهات، حيث جرى التعامل مع القبائل كمصدر بشري دائم للتجنيد في صفوف المليشيا، مع إعادة استدعاء دفعات متتالية من أبناء المناطق في كل موجة تصعيد، بما يكرّس حالة استنزاف متواصلة داخل المجتمع القبلي.

 

وفي هذا السياق، برزت انعكاسات أكثر تعقيدًا تمثلت في دفع أبناء القبيلة الواحدة أحيانًا إلى القتال في جبهات متقابلة، الأمر الذي أسهم في إنتاج ثارات داخلية ممتدة بين المكونات الاجتماعية، في ظل إدارة مركزية للصراع من قبل مليشيا الحوثي، مقابل انخراط القبائل في مسار استنزافي متواصل يفتقر إلى القدرة على ضبط تداعياته.

 

ومع تراكم هذه الممارسات، لم تعد القبيلة في مناطق سيطرة الحوثي مجرد كيان اجتماعي تقليدي، بل تحولت تدريجيًا إلى مساحة لإعادة التشكيل، تتداخل فيها أدوات السيطرة العسكرية مع آليات التفكيك الاجتماعي، ما يعكس تحولًا عميقًا في طبيعة العلاقة بين المليشيا الحوثية والبنية القبلية في اليمن.

 

تغيير منظومة القيم داخل القبيلة

 

لم تقتصر مليشيا الحوثي على عملية إعادة تشكيل القبيلة وتفكيك بنيتها أو صناعة رموز بديلة، بل امتدت إلى مستوى أعمق تمثل في محاولة تغيير المنظومة الفكرية والقيمية التي تقوم عليها القبيلة اليمنية، عبر التعامل معها كحاضنة ثقافية قابلة لإعادة الصياغة بما يتوافق مع توجهات المليشيا الطائفية والمذهبية.

 

وفي هذا السياق، جرى إدخال مفاهيم جديدة إلى البيئة القبلية من خلال الخطاب التعبوي والدورات الفكرية التي استهدفت فئات واسعة من أبناء القبائل، خصوصًا الشباب، حيث تم تقديمها كبرامج تثقيفية، بينما ركزت في مضمونها على إعادة تعريف مفاهيم الولاء والهوية والمرجعية وربطها مباشرة بقيادة المليشيا.

 

كما انعكس هذا التوجه على منظومة الأعراف القبلية، إذ بدأ يتراجع الاحتكام إلى القواعد التقليدية في حل النزاعات وتنظيم العلاقات، لصالح توجيهات زعيم المليشيا، والتي تتجاوز دور الشيخ والعرف، مما أدى تدريجيًا إلى إضعاف سلطة الأعراف لصالح بدائل تستمد مشروعيتها من النفوذ والقوة.

 

وفي موازاة ذلك، تم توجيه الخطاب الديني المذهبي الطائفي داخل البيئة القبلية بما يخدم هذا المسار، الأمر الذي خلق حالة من التداخل بين الديني والاجتماعي، وأدى إلى قدر من الالتباس في الوعي الجمعي، ومع الوقت أصبحت القبيلة أكثر عرضة لإعادة تشكيل داخلية تمس قناعاتها ومرجعياتها، بما يترك آثارًا ممتدة على تماسكها وهويتها.

 

الزج بالقبائل في جبهات القتال

 

في موازاة تفكيك البنية القبلية وإعادة تشكيلها عبر صناعة رموز موالية لها وتغيير منظومة القيم، اتجهت مليشيا الحوثي إلى توظيف القبيلة كخزان بشري يغذي جبهات القتال، حيث لم يعد دورها محصورًا في إطارها الاجتماعي، بل جرى دفع أبنائها إلى واجهة الصراع المسلح وتحويلهم إلى وقود لحروب مستمرة.

 

وتعتمد هذه السياسة على مزيج من الضغط والإكراه، يبدأ بفرض حصص غير معلنة على القرى والعزل، مرورًا بحملات تحشيد وخطاب تعبوي، وصولًا إلى التهديد أو الاعتقال لإجبار الأفراد على القتال، بما جعل المشاركة في الجبهات أو رفضها كلفة عالية في الحالتين.

 

ومع تكرار هذا النمط، أصبحت القبيلة عرضة لاستنزاف مستمر في شبابها وطاقتها البشرية، كما أدت هذه السياسات في بعض الحالات إلى دفع أبناء القبيلة الواحدة إلى جبهات متقابلة، مما أسهم في نشوء صراعات وثارات داخلية جديدة.

وهكذا تراجع الدور الاجتماعي التقليدي للقبيلة في الوساطة وحل النزاعات، لصالح دور عسكري مفروض، مما أعاد تشكيل موقعها داخل المجتمع وحوّلها إلى أداة ضمن مشروع طائفي، أكثر من كونها كيانًا اجتماعيًا مستقلًا.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية