عربي
وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية واتساع الإنفاق العسكري عالمياً، تبرز شركات الصناعات الدفاعية الأميركية أحد أبرز المستفيدين من الحرب على إيران، مع تسجيلها ارتفاعاً لافتاً في الإيرادات والطلبيات العسكرية خلال الأشهر الأخيرة. وأعلنت شركات السلاح الأميركية الكبرى، بينها "آر تي إكس" و"نورثروب غرومان" و"لوكهيد مارتن" و"جنرال إلكتريك أيروسبايس"، ارتفاع في المبيعات والطلبيات العسكرية، بالتزامن مع زيادة الإنفاق الدفاعي الأميركي والغربي، وتسارع الطلب على أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ والمقاتلات المتطورة.
ويرى مراقبون أن الحرب على إيران لم تخلق فقط طلباً عسكرياً آنياً، بل عمقت أيضاً التحول نحو اقتصاد أمني طويل الأمد، يعزز نفوذ شركات السلاح الأميركية داخل منظومة صنع القرار السياسي والاقتصادي في الولايات المتحدة. وفي 28 فبراير/ شباط الماضي، بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل حرباً على إيران خلّفت أكثر من 3 آلاف قتيل، قبل أن تعلن واشنطن وطهران في 8 إبريل/ نيسان المنصرم، هدنة على أمل إبرام اتفاق ينهي الصراع. وفي 11 إبريل، استضافت باكستان جولة محادثات بين الطرفين لم تُفضِ إلى اتفاق، ولاحقاً أُعلن تمديد الهدنة بناءً على طلب إسلام أباد دون تحديد مدة.
أرباح شركات السلاح الأميركية
وحققت شركة "آر تي إكس" مبيعات بلغت 22.1 مليار دولار خلال الربع الأول من 2026، مقارنة بـ20.3 مليار دولار خلال الفترة نفسها من السنة الماضية بزيادة 8.9%. كذلك ارتفعت قيمة الطلبيات المتراكمة لدى الشركة إلى 271 مليار دولار، في واحد من أعلى المستويات بتاريخها. وبلغت إيرادات "جنرال إلكتريك أيروسبايس" 12.4 مليار دولار خلال الربع الأول من 2026، بارتفاع 25% مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، مستفيدة من الطلب المتزايد على محركات الطائرات العسكرية وأنظمة الطيران.
بدورها، حققت "نورثروب غرومان" مبيعات بلغت 9.9 مليارات دولار خلال الربع الأول من العام الحالي، بزيادة 4% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. أما "لوكهيد مارتن"، أكبر موردي السلاح للجيش الأميركي، فسجلت خلال الربع الأول من هذا العام إيرادات بلغت نحو 18 مليار دولار، محافظة على مستويات مرتفعة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مدفوعة باستمرار الطلب على منظومات الدفاع الجوي والمقاتلات المتقدمة.
وتعد "آر تي إكس" من أبرز شركات الصناعات الدفاعية والطيران في الولايات المتحدة، وتنتج أنظمة صاروخية ودفاعية ومحركات طائرات، فيما تشتهر "لوكهيد مارتن" بإنتاج مقاتلات "إف-35" ومنظومات الدفاع الجوي والصواريخ الباليستية. وتعد "نورثروب غرومان" من كبار مصنعي الطائرات المسيّرة وأنظمة الفضاء والدفاع الاستراتيجي. وتزامنت هذه النتائج مع إعلان مسؤولين أميركيين إبرام اتفاقات جديدة لزيادة إنتاج صواريخ "توماهوك" و"باتريوت" و"جيم-تي"، إلى جانب ذخائر ومنظومات دفاعية أخرى.
وقال الرئيس التنفيذي لشركة "آر تي إكس" كريس كالييو، خلال لقاء مع محللين في "وول ستريت"، إن الشركة تعمل مع وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) على تسريع إنتاج الذخائر، في ظل ارتفاع الطلب المرتبط بالتطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط ومناطق أخرى.
استنزاف المخزونات
ويرى خبراء أن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران تختلف عن النزاعات السابقة بسبب الكثافة العالية لاستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي، ما تسبب في استنزاف سريع للمخزونات العسكرية الأميركية والإسرائيلية. وفي هذا السياق، قال الخبير المتخصص في الشؤون العسكرية محمد شقير، إن ارتفاع طلبيات شركات السلاح الأميركية لا يرتبط فقط بالحرب الأخيرة، بل أيضاً بمناخ دولي يتسم بتصاعد التوترات الجيوسياسية، وسباق تسلح متزايد بين القوى الإقليمية والدولية.
وأوضح شقير، في حديث لوكالة الأناضول، أن العالم يعيش مرحلة "إعادة تشكل للنظام الدولي"، ما يدفع العديد من الدول إلى رفع إنفاقها العسكري وتعزيز ترساناتها الدفاعية. وأضاف أن الحرب على إيران رفعت الطلب بشكل خاص على الصواريخ الاعتراضية وأنظمة الدفاع الجوي والطائرات المتطورة، في ظل الاستهلاك المكثف للذخائر والأسلحة الدقيقة. وأشار إلى أن تكلفة هذا النوع من الأسلحة مرتفعة للغاية، سواء بالنسبة إلى المقاتلات الشبحية أو الصواريخ الباليستية أو الطائرات المسيَّرة، ما ينعكس مباشرة على أرباح شركات الصناعات الدفاعية.
ولفت إلى أن نجاح بعض المنظومات العسكرية في اعتراض الصواريخ وتحقيق إصابات دقيقة، شجع دولاً أخرى على التوجه نحو شراء هذه الأنظمة، ما ساهم في تضخم الطلبيات العسكرية الأميركية. ولا يقتصر تسارع الطلب على الولايات المتحدة وإسرائيل، بل يشمل أيضاً دولاً أوروبية وخليجية تسعى لتعزيز قدراتها الدفاعية تحسباً لتوسع التوترات الإقليمية.
نفوذ المجمع الصناعي
يقول مراقبون إن الطفرة الحالية أعادت الجدل داخل الولايات المتحدة بشأن نفوذ "المجمع الصناعي العسكري"، وهو مصطلح استخدمه الرئيس الأميركي الأسبق دوايت أيزنهاور عام 1961 للتحذير من تنامي تأثير شركات السلاح الأميركية والمؤسسة العسكرية في القرار السياسي الأميركي. ويرى شقير أن نفوذ المجمع الصناعي العسكري "تعزز بشكل كبير في رسم السياسات الخارجية الأميركية"، موضحاً أن شركات الصناعات الدفاعية تؤثر، بشكل مباشر أو غير مباشر، في توجهات الإنفاق العسكري والسياسات المرتبطة بالحروب والتسليح.
وأضاف أن هذه الشركات تموّل حملات انتخابية ومراكز أبحاث وجماعات ضغط، ما يمنحها حضوراً مؤثراً داخل دوائر صنع القرار الأميركية. وتابع: "هذه الشركات لها تأثير في الحزب الجمهوري (الذي ينتمي إليه الرئيس دونالد ترامب) لتشدده ومغامراته الحربية"، على حد تعبيره.
الأسواق والمستثمرون
وانعكس التصعيد العسكري أيضاً على أداء أسهم شركات الصناعات الدفاعية الأميركية، التي حققت مكاسب ملحوظة منذ اندلاع الحرب، مدفوعة بتوقعات استمرار الطلب العسكري وارتفاع الإنفاق الدفاعي خلال السنوات المقبلة. فعلى سبيل المثال، حقق سهم شركة "آر تي إكس" أرباحاً بـ 1.5 دولار خلال الربع الأول من 2026 بزيادة 21% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. وتعد صناديق استثمار أميركية كبرى، مثل "بلاك روك" و"ستيت ستريت"، من أبرز المساهمين في شركات الصناعات الدفاعية الأميركية.
وتمتلك "بلاك روك" نحو 7% من أسهم "لوكهيد مارتن"، فيما يعد صندوق "ستيت ستريت" من كبار المساهمين في الشركة بحصة تقارب 14.9%، إضافة إلى استثمارات واسعة في شركات دفاعية أخرى. ورغم الأرباح القياسية لشركات السلاح الأميركية، يرى شقير أن المواطن الأميركي لا يستفيد مباشرةً من هذه الطفرة، في ظل ارتفاع معدلات التضخم وتزايد الضغوط الاقتصادية الناتجة من الإنفاق العسكري والتوترات الجيوسياسية. وفي 30 إبريل/ نيسان الماضي، أعلن مكتب التحليل الاقتصادي الأميركي التابع لوزارة التجارة الأميركية ارتفاع معدل التضخم إلى 3.5% على أساس سنوي خلال مارس/ آذار الماضي، مدفوعاً بارتفاع أسعار الطاقة.
واعتبر شقير أن الاقتصاد الأميركي، بوصفه اقتصاداً رأسمالياً، يسمح بتحقيق أرباح ضخمة للشركات الاستثمارية والصناعات العسكرية خلال الحروب، بينما يتحمل المواطن جزءاً من التكاليف عبر ارتفاع الأسعار والضغوط المعيشية. وأضاف الخبير بالشؤون العسكرية أن استمرار الحروب والتوترات قد يعزز أرباح شركات السلاح الأميركية على المدى الطويل، لكنه في المقابل يفاقم الأعباء الاقتصادية على المجتمعات، ويعيد توجيه الإنفاق نحو القطاعات العسكرية على حساب مجالات أخرى.
وقبل أيام، أعلنت وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) أن الحرب على إيران كلفت الولايات المتحدة نحو 25 مليار دولار حتى اليوم. وأوضح المسؤول المالي في البنتاغون، جولز هيرست، خلال جلسة استماع أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب، أن الجزء الأكبر من هذه التكلفة خُصص للذخائر، بجانب نفقات تشغيل العمليات العسكرية واستبدال المعدات. ويعكس هذا الرقم حجم الإنفاق العسكري المتسارع خلال فترة زمنية قصيرة. واعتبر نواب ديمقراطيون أن الاستراتيجية الحالية "خطيرة"، محذرين من أن تحقيق مكاسب عسكرية محدودة قد يقود إلى خسائر أكبر على المدى الطويل.
(الأناضول)

أخبار ذات صلة.
هل هذا هو الوجه الحقيقي لآن بولين؟
الشرق الأوسط
منذ 12 دقيقة