عربي
تتقاطع في تجربة الفنان التشكيلي الألماني جورج بازلتز، الذي رحل الخميس الماضي، عن ثمانية وثمانين عاماً، روافدُ بصرية وفلسفية متمرّدة عديدة، تبدأ بالرسوم العفوية للمرضى النفسيين التي وثّقها الطبيب هانز برينزهورن في كتابه "فنّ المرضى النفسيين"، وتمتدّ إلى حركات فنية قديمة تعود للقرن السادس عشر مثل التكلُّفية (Mannerism)، التي تمرّدت حينها على "كمال" عصر النهضة، حيث استلهم منها مطّ الأجساد وتشويه الأطراف. ولم يغب عنه أثر التعبيريّين الألمان الأوائل، فاستعاد إرنست كيرشنر وإميل نولده اللذين طاردهما النازيون، ليُحيي إرثهما ممتزجاً بسوداوية فان غوخ واضطراب إدوارد مونك.
أما فكرياً، فقد استند إلى كتابات متمرّدي المسرح والأدب، مثل الشاعر والكاتب الفرنسي أنتونين أرتو، والمسرحي الإيرلندي سامويل بيكيت؛ فمن عوالم بيكيت العبثية، استلهم بازلتز (1938-2026) صورة الإنسان الوحيد، والمحاصر في فضاءات ضيقة. كل هذه الأسماء دفعته إلى ابتكار لغة بصرية تصدم الذائقة التقليدية، وتذهب أبعد من الجماليات الزائفة لما بعد الحرب العالمية الثانية، ليرسم العالم كما هو. ولمّا كانت علاقته بالصورة قلقة، فقد ظل يشك في قدرتها على قول الحقيقة حين تُقدَّم في وضعها المألوف، وعليه اتخذ قراره الشهير عام 1969 المتمثّل في قلب اللوحة رأساً على عقب، في محاولة لتحرير العين من عادتها، ودفعها إلى رؤية الرسم قبل الموضوع، وبهذا يتقدم فعل الرسم في ذاته إلى الواجهة.
رؤية تعبيرية أعادت الحرارة للرسم بعيداً عن برودة المفاهيمية
ارتبط اسم بازلتز بتيار التعبيرية الجديدة، تلك الموجة التي أعادت الاعتبار إلى الجسد واللون في زمن كانت فيه الفكرة المجرّدة تحتلّ مركز المشهد. غير أن انتماءه بالمعنى المدرسي الصارم إلى أي تيار، ظلّ دائماً انتماءً حَذِراً، وقد حافظ على هذه المسافة طوال مسيرته. فقد جاور أسماءً صنعت ملامح الفن الألماني المعاصر من دون أن يذوب في أي جماعة: أنسيلم كيفر، وسيغمار بولكه، وغيرهارد ريختر، وكلٌّ منهم انشغل بطريقته بأسئلة التاريخ والصورة. كذلك بدا قريباً من روح فنّانين أعادوا للرسم حضوره العنيف بعد عقود من هيمنة البرودة المفاهيمية. وعلى نطاق أوسع، ثمّة خيط يربطه بفرانسيس بيكون ولوسيان فرويد، ذلك الإصرار على تعرية الجسد، وعلى النظر إلى الإنسان في لحظات ضعفه وانكشافه.
تكوّنت لغة بازلتز الفنية في منطقة تماس بين عوالم متعددة. فقد وجد في الفنّ الخام والدادائية والسريالية، وفي التعبيرية الألمانية القديمة، منابع خصبة لتوسيع رؤيته. كذلك استوقفته منحوتات الفنون الإفريقية التقليدية، وأعمال فنانين مثل الأميركي- الهولندي وليم دي كونينغ، بما تحمله من طاقة داخلية. كان يبحث عن صورة تنجو من التهذيب الزائد، صورة تحتفظ بخشونتها الأولى. فمنذ معرضه الفردي الأول في برلين الغربية عام 1963، بدا واضحاً أنه لا ينوي السير في الطرق المألوفة. صادرت السلطات حينها بعض لوحاته بحجة مخالفتها للآداب العامة، فتحول ذلك الحدث إلى إعلان مبكر عن وصول فنان يفضّل الاصطدام على المسايرة. وربما كان هذا الميل إلى المجابهة امتداداً لسيرته الشخصية؛ فقد التحق بأكاديمية الفنون في برلين الشرقية عام 1956، ثم طُرد بعد فصلين فقط بدعوى "عدم النضج الاجتماعي والسياسي". انتقل بعدها إلى برلين الغربية، وهناك اتخذ اسم جورج بازلتز، مستعيداً اسم بلدته الأولى.
من الصدمة إلى الاعتراف
أما النحت فكان عملية بتر قاسية عنده؛ فهو يختار أخشاباً صلبة مثل البلوط والكستناء، ويهاجمها بالمناشير الكهربائية والفؤوس، تاركاً الشظايا والشقوق جزءاً لا يتجزأ من العمل. تبرز هذه الفلسفة بوضوح في عمله الصادم "نموذج لمنحوتة" الذي قدمه في "بينالي فينيسيا" عام 1980؛ حيث نحت جسداً خشبياً ممدداً يرفع ذراعاً واحدة، ما أثار الجدل لاعتقاد البعض أنها تحاكي التحية النازية، لكنه في الحقيقة كان يستدعي بها روح التماثيل الإفريقية البدائية ليصدم الوعي الألماني.
وفي سلسلة أُخرى مكرّسة لزوجته يوهانا إلكه كريتسشمار، مثل عمله "إلكه" (1993)، نجد تلك الكتل الخشبية الضخمة الملطّخة بطلاء أصفر أو أزرق باهت، حيث يظهر الجسد الأنثوي بخشونة غير مألوفة، متخلّياً عن الرقّة لصالح الثبات والمقاومة. كذلك هو الحال في عمله "نساء دريسدن" (سلسلة من أحد عشر تمثالاً خشبياً ضخماً أنجزها عامَي 1989 و1990)، الذي نحَته لتكريم النساء اللواتي عايشن دمار المدينة الألمانية خلال الحرب العالمية الثانية. كلّ هذه الأعمال تظلّ شاهدةً على أسلوبه الذي لا يسعى لصقل الشكل، بل لإظهار قوّة التحمّل والمواجهة الخشنة.
في واحد من معارضه الأخيرة الذي حمل عنوان "اعتراف بخطاياي" (لندن، 2024)، عاد إلى بابلو بيكاسو معترفاً به مُلهِماً في اشتغالاته. وانطلاقاً من مقولة شاعت وحُوِّرت مراراً: "الرسامون الجيدون ينسخون، والرسامون العظماء يسرقون"، قرّر الفنان الألماني أن يذهب أبعد من ذلك؛ فبينما كان بيكاسو "يسرق" (يتأثّر) مراجع الآخرين (مثل الفن الأفريقي) ويصمت، قرّر بازلتز أن يعترف علانية بـ"خطاياه". في اللوحات الضخمة التي ضمّها المعرض، نجده يرسم مواضيع مستوحاة مباشرة من فترات بيكاسو المتأخرة، وتحديداً تلك التي كان يُنظر إليها على أنها فوضوية.
