عربي
مسائل عدّة يمكن إيرادها في كتابةٍ عن المصري علي بدرخان، احتفاءً بعيد ميلاده الـ80 (25 إبريل/ نيسان 1946)، تُشكِّل معالم سينماه. لكنّ المناسبة تستدعي، أولاً، فيلماً لن يكون من أفضل أفلامه، قياساً إلى إنجازات سينمائية يجعلها مرايا واقع مصري، سياسياً واجتماعياً وحياتياً، لكنّه يحضر في انفعال وذاكرة فرديين: "الراعي والنساء" (1991)، المستند إلى مسرحية "جريمة في جزيرة الماعز" (1946)، للإيطالي أوغو بيتي، التي يقتبسها المصري خيري بشارة أيضاً، في العام نفسه: "رغبة متوحشة".
اختيار هذا الفيلم تحديداً متأتٍّ من كونه الفيلم الأخير لسعاد حسني (1943 ـ 2001)، الزوجة السابقة لابن المخرج أحمد بدرخان (1909 ـ 1969)، التي يلتقيها أثناء تصوير "نادية" (1969) لبدرخان الأب (علي حينها ثاني مخرج مساعد). فرغم ملاحظات نقدية متفرّقة، سيكون أسلوب تصوير بدرخان لحسني فاعلاً في انفعال وذاكرة فرديين، إذ يجعل التصويرُ الفيلمَ وداعاً أخيراً، بكاميرا طارق التلمساني، التي تلتقط تعابير الحزن والقهر والخيبة، الظاهرة كلّها في ملامح امرأة، إنْ تكن وفاء (الشخصية السينمائية، بما تعانيه من ارتباكات وألم وخراب ذاتي، بين امرأة أخرى وشابة صغيرة السن، قبل وصول رجلٍ يقلب الجميع كلّياً)، أو سعاد نفسها، التي تعيش حينها بدايات حزن وقهر وخيبة، تنتجها إصابتها بشلل العصب السابع، من بين أمور أخرى.
هذا يُذكّر بتصوير يوسف شاهين، في "اليوم السادس" (1986)، الفنانة داليدا (1933 ـ 1987) في آخر فيلم لها (أيضاً)، أي في الأشهر القليلة السابقة على انتحارها. فالكاميرا (محسن نصر) تلتقط نبض النص والحكاية، وغليان الشخصيات وتأمّلاتها، وحيوية ماضٍ ووقائع منه، وحِرفية ممثلين وممثلات (محسن محيي الدين وشويكار وصلاح السعدني، وغيرهم) وسلاسة إظهار دواخل شخصياتهم المنشغلة بألف همّ وشعور. لكن، مع داليدا، الأمر مختلف، بسبب انتحارها اللاحق بأشهر على انتهاء التصوير، والأهم غرق الفنانة الإيطالية الفرنسية، زمن الفيلم (مشروعاً وإنتاجاً وتصويراً واشتغالات)، في الحدّ اللامتناهي بين ذروة خراب وانعدام خلاص واختناق عيش، بينما سعاد حسني ستعيش آلامها عشرة أعوام متتالية.
في "الراعي والنساء"، يوهم علي بدرخان أنّه مكتفٍ بإخراج ما يجيش في شخصية وفاء عبر سعاد، بينما يُمعن "لاوعيه" (ربما) في تكثيف صُور سعاد، كمن يشعر بأنّها ستكون آخر صُور سينمائية لها، فإذ بما فيها من قلق وخيبة وقهر ورغبة في انكفاء تُصبح كلّها واجهة المشهد. خلف الكاميرا، سعاد "جميلة جداً"، يقول بدرخان عنها (صباح الخير المصرية، 22 سبتمبر/أيلول 2021). هذا جمال يزداد بهاءً مع كونها، بحسب بدرخان أيضاً، "امرأة عادية وبسيطة للغاية، وخجولة". المخرج يعرف ما في ذات الممثلة، فينتزع منها أجمل صُور سينمائية لها، ستكون الأخيرة؛ بينما الزوج متمكّن من توجيه المخرج إلى ذاك الجمال، المخبّأ في حزن وقهر وخيبة وألم وقلق، وهذا تُظهره الممثلة عبر الشخصية، فيلتقطها المخرج والمُصوّر السينمائي، جاعِلَين منها شهادة حبّ ووداع.
ألن يكون التعاون بينهما (بدرخان ـ حسني) في خمسة أفلام قبل الأخير كفيلاً بانكشافٍ (ليس كاملاً طبعاً، إذْ تبقى هوامش ذاتية خفيةً على من يُحيط بالمرء، أياً تكن صفة العلاقة به)، يبرع بدرخان في استغلال بعض ما يظهر بفضله (الانكشاف) لصنع المُفيد والجميل والمؤثّر، بصرياً وفنياً؟
غير أن اختزال السيرة السينمائية لعلي بدرخان بـ"الراعي والنساء" غير صائب، سينمائياً ونقدياً، إذ له عناوين تُعتبر من الأهمّ والأجمل، درامياً وجماليات واشتغالات، زمن إنتاجها، وفي اللاحق عليهما (الزمن والإنتاج)، رغم أنّ له عشرة أفلام روائية طويلة فقط. بلغة الأرقام، هذا قليل. لكنّ الإبداع غير محصور برقم، عند امتلاكه ما يَسِم لحظة وبيئة ومساراً واشتغالات بشيءٍ أو أكثر من تجديد ومواجهة، وبتمكّن من غوص في خراب وانهيار وخيبات، لصُنع مرايا تعكس لحظة وبيئة ومسارات. الأرقام تقول إنّ أفلاماً عدّة له غير ناجحة تجارياً، وهذه مصيبة في الصناعة والاقتصاد السينمائيين. لكن، ما تحتويه هذه الأفلام، أو بعضها على الأقلّ، يؤكّد مجدّداً معنى "أنْ يعرف المخرج مجتمعه جيداً، وكيف يتعامل مع الحياة، ويعرف الناس بطبقاتهم، ويُجيد التعامل معهم، ولديه قوة ملاحظة، فيرى تفاصيل ومميزات الأشياء في البيئات المختلفة" (صباح الخير).
اللافت للانتباه أنّ ثلاثة أفلام لبدرخان وحسني ترتبط بنجيب محفوظ: "الكرنك" (1975) و"أهل القمة" (1981) و"الجوع" (1986)، وهذه تُشكِّل، مع نتاجات عدّة في تلك الفترة، انعكاس غليان الحاصل حينها، أو قبله بقليل. ومع صلاح جاهين (سيناريو وحوار)، سيكون تعاون آخر بينهما: "شفيقة ومتولي" (1978)، بينما رأفت الميهي سيكتب لهما "الحب الذي كان" (1973). ألن تكفي عناوين هذا النتاج للتنبّه إلى تأثيراتها السينمائية والفنية والثقافية، بما تكشفه من مشاعر وتأمّلات إزاء مراحل تاريخية وحالات اجتماعية وسياسية؟
يقول بدرخان (الشرق الأوسط، 6 أكتوبر/تشرين الأول 2023) إنّ هناك مخرجين عالميين يُخرجون أفلاماً لا يتجاوز عددها عدد أصابع اليد الواحدة: "المهم أن تترك تأثيرها". فهو يلتزم عدم تقديم عمل "من دون اقتناع كامل به"، ولا بدّ أن يمنحه الوقت كلّه "ليظهر على النحو الذي يتوافق ورؤيتي الفنية". لذا، هو غير نادم على أي فيلم من أفلامه.
إنْ تكن هذه قناعته، فلن يصعب تبيان سبب انكفائه، بعد "الرغبة" (2002)، عن العمل السينمائي، باستثناء التدريس الأكاديمي. مع ذلك، هناك من يتوق إلى مشاهدة إنجاز له أو أكثر، يُرافق هذا الكمّ الهائل من التحوّلات في مصر ومحيطها العربي والعالم.
