المعاملات البنكية تحت المجهر في الجزائر... ما السبب؟
عربي
منذ يومين
مشاركة
يتجه بنك الجزائر إلى تشديد الرقابة على المعاملات المالية والتصدي للممارسات المشبوهة، في خطوة تعكس الالتزام المتزايد بالمعايير الدولية، ولا سيما تلك التي تضعها مجموعة العمل المالي "غافي" في مجال الشفافية ومكافحة تبييض الأموال. وفي هذا السياق، أعلن محافظ البنك المركزي محمد لمين لبو، إصدار تعليمة (قانون إداري داخلي) جديدة موجّهة إلى البنوك خلال الأسبوع الجاري، تتعلق بتعزيز تطبيق معايير "اعرف زبونك"، في إطار تكييف المنظومة البنكية الوطنية مع التحولات المتسارعة في وسائل التمويل. وأوضح أن هذه التعليمة ستكون ملزمة لكل المؤسسات البنكية، مع مراعاة خصوصيات نشاط المتعاملين الاقتصاديين، من خلال تمكينهم من التصريح بمداخيلهم المستقبلية وآليات استخدامها بطريقة مرنة، من دون تعقيدات إدارية. وأكد المحافظ ضرورة احترام الضوابط المرتبطة بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، إلى جانب الالتزام الصارم بالإطار التنظيمي، مشيداً في الوقت ذاته بجهود بريد الجزائر في تحديث قواعد بيانات الزبائن وتعزيز الشفافية. الحد من المعاملات المشبوهة في قراءة لهذا التوجه، يرى الخبير في الشؤون المالية، نبيل جمعة، أن "هذه الإجراءات تندرج بوضوح ضمن مسار الإصلاحات الهيكلية التي تباشرها الجزائر لتحديث نظامها البنكي، وهي استجابة مباشرة لتوصيات الهيئات المالية الدولية، خاصة في ما يتعلق بتعزيز آليات التتبع والرقابة على التدفقات المالية". وأضاف أن تطبيق نظام "اعرف زبونك" بشكل أكثر صرامة لا يهدف إلى الحد من المعاملات المشبوهة فقط، بل إلى بناء بيئة مالية أكثر موثوقية، تشجع الاستثمار وتحدّ من الاقتصاد غير الرسمي. وأوضح جمعة، في تصريح لـ"العربي الجديد" أن "هذه الخطوة تعكس انتقالاً تدريجياً نحو حوكمة مالية حديثة، تتماشى مع المعايير العالمية في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، ما من شأنه تحسين تصنيف الجزائر دولياً وتعزيز ثقة الشركاء الاقتصاديين والمؤسسات المالية الدولية". وفي انتظار كشف بنك الجزائر المركزي عن تفاصيل التعليمة الجديدة ودور البنوك والمؤسسات المالية بشكل محدد، أوضح المتحدث أنها تعتبر حلقة إضافية في مسار إصلاحي أوسع، يسعى إلى تعزيز أمن المنظومة البنكية، وضمان شفافية أكبر في المعاملات، بما يخدم استقرار الاقتصاد الوطني وانفتاحه على محيطه الدولي. إصلاحات مالية مرافقة في السياق، ذكر جمعة أن المسار الذي تتخذه السلطات المالية للبلاد عبر هذه التعليمة ينسجم أيضاً مع تعليمة أخرى صادرة عن بنك الجزائر شهر إبريل/ نيسان الماضي، وأشار إلى أنها تشكل تحوّلاً في إدارة المخاطر الخارجية وإعادة توجيه التمويل، حيث تعكس تغييراً واضحاً في فلسفة إدارة المخاطر الخارجية للجهاز المصرفي الجزائري. وأوضح الخبير الجزائري أن التعليمة حدّدت بدقة سقف الالتزامات الخارجية للبنوك والمؤسسات المالية عند مستوى 50% من أموالها الخاصة التنظيمية، بعد أن كان هذا السقف يصل إلى 100% بموجب تعليمة سنة 2015. وتشمل هذه الالتزامات أساساً الاعتمادات المستندية، والضمانات البنكية المرتبطة بعمليات الاستيراد، إلى جانب عمليات التحصيل المستندي. ويرى جمعة أن هذا الإجراء يعني عملياً تقليص الانكشاف الخارجي للبنوك إلى النصف، في خطوة تهدف إلى التحكم في مخاطر العملة الصعبة، باعتبار أن الالتزامات الخارجية غالباً ما تكون مقومة بالدولار أو اليورو، بينما يتجاوز الهدف الحقيقي للتعليمة الجانب التنظيمي، ليشمل تقليص الطلب البنكي على العملة الأجنبية، وحماية التوازنات الخارجية، فضلاً عن ضبط تمويل الاستيراد، خاصة غير المباشر منه. وأشار إلى أن هذه التدابير تمس آليات تمويل الاستيراد أكثر مما تستهدف البنوك في حد ذاتها. وتعمل الجزائر، في الإطار ذاته، على مراجعة المنظومة التشريعية للبلاد، خاصة ذات العلاقة بالتجارة الخارجية والأنشطة الاقتصادية، لإقناع الهيئات المالية الدولية وفي مقدمتها مجموعة العمل المالي "غافي" على ضرورة سحب إدراج البلاد في القائمة الرمادية، ليبرز في هذا المجال التعديلات الأخيرة لقانون الانشطة التجارية، كونه ينسجم مع متطلبات الامتثال للمعايير المرتبطة بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، التي فرضت نفسها معياراً جوهرياً في ترسيخ مصداقية الاقتصادات الوطنية وتعزيز اندماجها في المنظومة المالية الدولية، ما يستوجب مواصلة الجهود الرامية إلى تطوير الإطار القانوني الوطني، وتدعيم أدوات الحوكمة الاقتصادية، والارتقاء بمنظومة الشفافية والرقابة. وضمن هذا المنظور، تستهدف الإصلاحات المقترحة، تحقيق جملة من الغايات الاستراتيجية، في مقدمتها تعزيز التوافق مع المعايير الدولية، وتأكيد شفافية المعلومات الأساسية للشركات التجارية والمعلومات المرتبطة بمستفيديها الحقيقيين، وترسيخ ثقة الشركاء الاقتصاديين والمؤسسات المالية، وتحسين جاذبية مناخ الاستثمار، فضلاً عن تحصين الاقتصاد الجزائري من المخاطر الناجمة عن الجرائم المالية بمختلف صورها.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية