عربي
لم تعد الزيادة في أسعار الوقود في بريطانيا بسبب تداعيات الحرب الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز، تُقاس فقط بما تضيفه إلى كلفة ملء الخزان، بل بما تسحبه من تفاصيل الحياة اليومية. زيارة عائلية تُؤجَّل، قهوة صباحية تُلغى، مشتريات يُعاد النظر فيها داخل السوبرماركت وساعات عمل أطول لا تضمن بالضرورة دخلًا أفضل.
هكذا بدأت صدمة الوقود تتسلل إلى البيوت البريطانية، لا بوصفها خبراً اقتصادياً مجرداً، بل بما هي ضغط معيشي يعيد رسم الأولويات داخل الأسر. في شهادات لـ"العربي الجديد" من شوارع لندن، تقول رومينا، وهي امرأة في الخمسين من العمر وأم لثلاثة أبناء، إن أول ما سقط من حساباتها كانت زيارتها الأسبوعية إلى منزل أهلها، لأن الوصول إليهم يتطلب نحو ساعة بالسيارة.
بعد ذلك، ألغت قهوتها الصباحية من المقهى وصارت تعدّها في المنزل، كما باتت تبحث في السوبرماركت عن السلع المخفضة السعر باستمرار. وتوضح أن الأسرة كانت تعاني أصلًا من ضغوط الرهن العقاري ومصاريف العائلة قبل ارتفاع أسعار البنزين، بيد أنّ القلق ازداد مع اقتراب انتهاء مدة عقد الرهن الحالي، وسط توقعات بارتفاع الفائدة وما يعنيه ذلك من أعباء إضافية.
ولا يقف أثر الغلاء عند الأسر التي تعيد ترتيب إنفاقها، بل يمتد أيضاً إلى موظفين وجدوا أنفسهم مضطرين إلى التخلي عن سياراتهم أصلاً. يقول روبرت، وهو رجل في الستينيات من عمره، إن ارتفاع أسعار الوقود لم يترك له مجالًا كبيراً للمناورة، فاضطر إلى التوقف عن استخدام سيارته العاملة بالديزل، بعدما باتت تستهلك وقوداً يفوق قدرته على الاحتمال.
ورغم كراهيته لاستخدام وسائل النقل العامة، قرر أن يستقل الحافلة إلى عمله، لأن دخله، كما يوضح، بالكاد يغطي الفواتير والنفقات الأساسية ولا يحتمل إضافة مئة جنيه إسترليني أخرى شهرياً أو أكثر، إلى كلفة الديزل. أما عند من لا يستخدمون الوقود للوصول إلى أعمالهم فقط، بل ليعملوا أصلاً، فيبدو الأثر أكثر قسوة. يقول جو، وهو في الستينيات من عمره ويعمل سائقاً على سيارة الأجرة السوداء التقليدية في لندن منذ أكثر من ثلاثين عاماً، إن المهنة لم تعد تشبه ما كانت عليه يوم بدأ العمل خلف المقود. فقبل الانتشار الواسع لخدمات أوبر، كان مردود العمل أكثر استقراراً، وكانت ساعات القيادة الطويلة تنعكس دخلاً يمكن الاعتماد عليه.
أما بعد دخول أوبر بقوة إلى سوق النقل في العاصمة، فقد بدأ هذا الدخل يتآكل تدريجياً مع احتدام المنافسة وتراجع عدد الزبائن. اليوم، يقول جو، جاءت أسعار البنزين المرتفعة لتضيف ضغطاً جديداً على مهنة فقدت أصلاً كثيراً من توازنها، حتى بات جزء كبير من عائد يومه يذهب إلى كلفة التشغيل بدل أن يتحول إلى دخل فعلي.
لم يعد يشعر فقط بأن ما يكسبه أقل مما كان عليه في السابق، بل بأن الاستمرار نفسه صار أكثر صعوبة في ظل مهنة تضيق هوامشها عاماً بعد عام. وفي حالته، لا تضرب صدمة الوقود إنفاقه الشخصي فقط، بل تضرب مصدر دخله من الأساس، وتجعل ساعات العمل الأطول أقرب إلى محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من العائد. تعكس الأرقام الرسمية هذا التحول بوضوح.
فقد ارتفع معدل التضخم السنوي في بريطانيا إلى 3.3% في مارس/آذار 2026، بعد أن كان 3% في فبراير/شباط، فيما برز وقود السيارات بوصفه أحد أبرز العوامل التي دفعت الأسعار إلى الأعلى. كما أظهرت بيانات مكتب الإحصاء الوطني البريطاني أن أسعار النقل ارتفعت بنسبة 4.7% على أساس سنوي في مارس/آذار، وهو أعلى معدل منذ ديسمبر/كانون الأول 2022، بينما ارتفع متوسط سعر البنزين إلى 140.2 بنساً لليتر، وقفز متوسط الديزل إلى 158.7 بنساً.
وبذلك، انتقلت أسعار وقود السيارات من انخفاض سنوي في فبراير/شباط إلى ارتفاع سنوي في مارس/آذار، في إشارة إلى عودة الضغط بقوة إلى بند حساس في إنفاق الأسر. يزداد وقع هذا الضغط في وقت تتراجع فيه المعنويات الاقتصادية لدى المستهلكين.
فقد هبط مؤشر "جي إف كيه" لثقة المستهلكين في إبريل/نيسان إلى سالب 25 نقطة، وهو أدنى مستوى منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، فيما قال 85% من المستهلكين إنهم يتوقعون ارتفاع الأسعار خلال السنة المقبلة. ولا تعكس هذه المؤشرات مزاجاً عابراً، بقدر ما تكشف اتساع القلق من أن تتحول زيادة الوقود إلى حلقة جديدة في سلسلة الضغوط التي تطاول الأسر من أكثر من باب.
