عودة قراصنة الصومال... فاتورة باهظة تضرب سلاسل الإمداد العالمية
عربي
منذ ساعة
مشاركة
يتصاعد نشاط القراصنة الصوماليين على سواحل ولاية بونتلاند، التابعة للحكومة الفيدرالية، منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2023، وزاد بالتزامن مع التوترات الجيوسياسية في المنطقة. وقد أعادت الأحداث الأخيرة، بما في ذلك محاولات اختطاف سفن تجارية وأخرى محمّلة بالنفط العابرة قبالة المياه الصومالية، ظاهرة القرصنة البحرية إلى الواجهة من جديد، بعد نحو عقد من تراجع نشاطها، نتيجة الحملات البحرية الأوروبية المكثفة والجهود المحلية للتصدي لها. وكانت هذه الظاهرة قد انتشرت على سواحل بعض المدن الوسطى والشمالية الشرقية من الصومال خلال الفترة ما بين عامي 2008 و2011. إلا أن تراجع نشاط الوحدات البحرية الأوروبية في المياه الصومالية منذ فبراير/شباط 2025 ساهم في عودة القراصنة بكثافة، في ظل أزمة شحن عالمية وإقليمية، ناجمة عن تعطّل حركة مرور السفن في مضيق هرمز منذ فبراير/شباط الماضي. ويشهد الساحل الشمالي للصومال تصاعداً لافتاً في حوادث القرصنة البحرية، مع تسجيل حادثتين خلال أيام قليلة، ما يعيد المخاوف بشأن أمن الملاحة في المنطقة. وأكدت عملية "أتالانتا"، التابعة للاتحاد الأوروبي، أن الحادثتين استهدفتا ناقلة الوقود "HONOUR 25" وسفينة الشحن "SWARD"، إلى جانب فتح تحقيق في اختطاف مركب شراعي يُعتقد ارتباطه بإحدى العمليتين. تسلسل زمني وقعت الحادثة الأولى في 20 إبريل/نيسان الماضي، عندما تلقت العملية الأوروبية إخطاراً من قوات شرطة بونتلاند البحرية حول اختطاف سفينة الصيد "ALKHARY 2" من قبل مجموعة قراصنة، ما دفع مركز الأمن البحري للمحيط الهندي إلى إصدار تحذيرات عاجلة للسفن العاملة في محيط الحادثة. وفي اليوم التالي، تطورت الأحداث مع الإبلاغ عن اختطاف ناقلة الوقود "HONOUR 25"، حيث رُصدت آخر مرة على بعد نحو 28 ميلاً بحرياً من موقع سفينة الصيد المختطفة. وأكدت طائرة استطلاع يابانية، تابعة للقوات البحرية المشتركة، وجود الناقلة داخل المياه الإقليمية الصومالية، في وقت بدأت فيه وحدات "أتالانتا" التحرك نحو موقعها، بالتزامن مع إصدار تحذيرات محدثة للملاحة في المنطقة. وفي 22 إبريل/نيسان الماضي، أُعلن عن الإفراج عن سفينة الصيد "ALKHARY 2" وسلامة طاقمها، غير أن مجموعة القراصنة ظلت متمركزة على متن ناقلة الوقود "HONOUR 25". وبعد ثلاثة أيام، وصلت وحدات "أتالانتا" إلى موقع الناقلة، وبدأت تقييم الوضع على متنها، مع التأكيد على أن الحادث لا يشكل تهديداً مباشراً لبقية السفن في الوقت الراهن. وبالتوازي مع ذلك، كشفت العملية الأوروبية عن حادثة قرصنة أخرى استهدفت سفينة الشحن "SWARD" في 26 إبريل/نيسان بمنطقة دينوودا على الساحل الشمالي للبلاد، وهي حادثة لا تزال قيد المتابعة والتحقيق. ووفق خبراء، تشير هذه التطورات إلى عودة مقلقة لنشاط القرصنة في المياه الصومالية، رغم الجهود الدولية المستمرة منذ سنوات للحد منها. وتواصل عملية "أتالانتا" التنسيق مع السلطات الصومالية وتبادل المعلومات بشأن الحادثتين، في إطار مساعيها لتعزيز الأمن البحري في غرب المحيط الهندي وضمان سلامة خطوط الملاحة الدولية التي تمر عبر هذه المنطقة الحيوية. ضعف اقتصادي شهدت مدينة آيل الساحلية في إقليم نغال بولاية بونتلاند الصومالية، التي ذاع صيتها عام 2008، وكانت معقلاً للقراصنة الصوماليين لاحتجاز السفن والرهائن، استهداف سفينة تجارية يوم 23 إبريل/نيسان. ومنذ عام 2023 وحتى بداية 2026، تشير إحصاءات غير رسمية إلى أن عدد عمليات اختطاف السفن المرتبطة بالقرصنة عالمياً، والتي يشكل الصومال جزءاً مهماً منها، يُقدّر بنحو 12 إلى 13 عملية، مع ملاحظة أن جزءاً منها وقع في المياه الصومالية، أو ارتبط بعودة نشاط القراصنة هناك. وفي هذا السياق، يقول الصحافي وأحد سكان مدينة آيل، عمر عبد القادر، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن ظاهرة نشاط القراصنة لم تعد مجرد عمليات معزولة، بل أصبحت انعكاساً مباشراً لتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في عدد من المناطق الساحلية. فمع تفاقم صعوبات المعيشة خلال الفترة الأخيرة، باتت شريحة واسعة من السكان تعاني من ضيق شديد في سبل كسب الرزق، ما دفع بعض الشباب إلى البحث عن بدائل غير قانونية لتأمين دخلهم. ويضيف أن البطالة تلعب دوراً محورياً في هذا السياق، إذ تراجعت فرص العمل بشكل كبير، ما جعل الانخراط في أعمال القرصنة خياراً مغرياً للبعض، خاصة في ظل غياب بدائل اقتصادية حقيقية. ويعزز هذا التوجه ما تردد عن نجاح بعض العمليات الأخيرة، حيث حصل المشاركون فيها على مبالغ مالية كبيرة، إذ أفادت مصادر بأن عائدات بعض الهجمات بلغت نحو 100 ألف دولار للفرد الواحد، ما شجّع آخرين على خوض التجربة. كما أشار إلى بروز ظواهر اجتماعية مقلقة، من بينها انتشار تعاطي المواد المخدرة بين الشباب، وهو ما يُعزى جزئياً إلى حالة الفراغ والضغوط الناتجة عن البطالة وسوء الظروف المعيشية، الأمر الذي يزيد من هشاشة هذه الفئة، ويجعلها أكثر عرضة للانخراط في أنشطة غير مشروعة. ولا تقتصر الظاهرة على الدوافع الفردية، إذ تشير تقارير إلى وجود شبكات محلية توفر دعماً لوجستياً ومالياً لعمليات القرصنة، حيث يقوم بعض التجار بتمويل هذه الأنشطة من خلال تجنيد الشباب، وتزويدهم بالمعدات اللازمة، مثل القوارب، مقابل الحصول على نصيب من الفدية في حال نجاح العملية. غياب مؤسسات فعالة في السياق نفسه، يرى مدير مركز هدف للبحوث (مستقل)، محمد سعيد فارح، أن عودة نشاط القرصنة ترجع إلى جملة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها انتشار الفقر والبطالة داخل المجتمع، عقب تراجع المشاريع والاستثمارات في بونتلاند، نتيجة أسباب سياسية وسوء الإدارة، إلى جانب تأثيرات الأوضاع العالمية، مثل الحرب في أوكرانيا، والعدوان الإسرائيلي على غزة، والحرب على إيران. ويضيف أن هذه الأزمات العالمية مجتمعة وضعت حياة كثير من الصوماليين في مأزق، نتيجة تراجع الاهتمام الدولي بالمنطقة، وغياب الاستثمارات والمساعدات الأجنبية. كما أشار إلى أن تزايد الصيد غير المشروع من قبل سفن تجارية كبرى في المياه الصومالية دفع بعض الصيادين إلى حمل السلاح وممارسة القرصنة رداً على هذه الانتهاكات، في ظل نشاط سفن أجنبية غير مرخصة تمارس الصيد الجائر، مقابل تراجع نشاط الصيادين المحليين خوفاً على حياتهم. وأضاف أن انتشار الفساد والمحسوبية في بعض المؤسسات المحلية ساهم في إضعاف ثقة المواطنين بالجهات الرسمية، وحدّ من فعالية توزيع الموارد والفرص بشكل عادل، ما جعل بعض الشباب أكثر قابلية للانضمام إلى شبكات القرصنة التي تقدم وعوداً بعوائد مالية سريعة، كما أن ضعف النظام الإداري والأمني في بونتلاند، وغياب مؤسسات بحرية فعالة وقوات خفر سواحل قادرة على الردع، يساهمان في تصاعد نشاط القراصنة واستهدافهم السفن التجارية، لا سيما تلك المحمّلة ببضائع لتجار صوماليين. تكاليف التأمين تهدد عودة القرصنة قبالة السواحل الصومالية سلامة سلاسل التوريد في المحيط الهندي، حيث تتعرض حركة الملاحة في ممرات حيوية مثل خليج عدن لاضطرابات متكررة. ويقول الصحافي والأكاديمي الصومالي أحمد جيسود، إن تأثير هذه الظاهرة لا يقتصر على تأخير السفن، بل يمتد إلى ارتفاع كلفة النقل والتأمين، وإرباك تدفق التجارة العالمية، ما ينعكس بشكل مباشر على الاستقرار الاقتصادي في المنطقة وخارجها. ومن المتوقع أن تشهد تكاليف الشحن ارتفاعاً ملحوظاً نتيجة فرض شركات التأمين رسوماً إضافية، مرتبطة بمخاطر المرور في مناطق التهديد، كما تضطر شركات النقل البحري إلى تعزيز إجراءاتها الأمنية، سواء عبر توظيف حراس مسلحين، أو تزويد السفن بأنظمة حماية متقدمة. ولا تتوقف الأعباء عند هذا الحد، إذ تلجأ بعض السفن إلى تغيير مساراتها، أو تأجيل رحلاتها، ما يؤدي إلى زيادة استهلاك الوقود، وإطالة زمن الشحن، وهو ما ينعكس في نهاية المطاف على أسعار السلع في الأسواق. وحسب جيسود، تحمل هذه التطورات تداعيات اقتصادية واسعة، إذ تساهم في إضعاف ثقة المستثمرين، وتعطيل حركة التجارة الدولية، ما يضغط على النشاط الاقتصادي، ويزيد من هشاشة الأسواق، سواء على المستوى المحلي أو العالمي.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية