عربي
أنهى الجيش الفرنسي، اليوم الخميس، أوسع مناورات يجريها منذ الحرب الباردة في معكسر مايي لو كامب في إقليم لوب شمال شرقي البلاد. وفي دلالة على حجمها وأهميتها، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في ختام المناورات التي تحمل اسم "أوريون 2026": "هي إشارةٌ واضحة موجّهة إلى حلفائنا وإلى خصومنا".
وتُعَدّ "أوريون 2026" الأوسع منذ نهاية الحرب الباردة، لا من حيث الحجم فقط، بل أيضاً من حيث طبيعة السيناريوهات التي تحاكيها. وهي تأتي، وفق الإليزيه، في "بيئة استراتيجية تشهد عودة الصراعات، وتعدّد الأزمات، وتصاعد التهديدات الهجينة"، ما يفرض على الجيش الفرنسي الاستعداد لمواجهات "أكثر قسوة وتعقيداً وتطلّباً".
وفي كلمته أمام العسكريين المشاركين في العملية، أشاد ماكرون بـ"نجاح" المناورة، معتبراً أنها "أكدت صلابة مقارباتنا" العسكرية، و"أظهرت مصداقية الأوروبيين وقدرتهم على تنفيذ عملية بهذا الحجم". كما شدد على أنها تعكس قدرة فرنسا على لعب دور "الدولة الإطار"، أي قيادة عمليات مشتركة تضم جيوشاً من عدة دول، إذ شاركت في "أوريون 2026" عشرون بلداً منذ مرحلتها الأولى التي انطلقت في أكتوبر/تشرين الأول 2025.
وتحاكي "أوريون 2026" حرباً واسعة النطاق وعالية الوتيرة، تتضمن سيناريوهات قتال واقعية، وإنزالات جوية، ومعارك في مناطق حضرية، واستعادة مدينة يُفترَض أنها سقطت بيد جيشٍ معادٍ، إضافة إلى استخدام مكثّف للطائرات المسيّرة، وعمليات كشف عن تهديدات كيميائية. وقد شارك في مرحلتها الرابعة وحدها أكثر من 12 ألف جندي، إلى جانب 1800 آلية عسكرية و30 مروحية و800 طائرة مسيّرة.
وقال الباحث في قضايا الدفاع والاستراتيجية جان كلود ألار، لـ"العربي الجديد"، إن أبرز ما يميز هذه المناورة هو قيامها "على أساس التكافؤ مع الجيش الخصم" بعد سنوات من تدريبات ركزت على حروب غير متكافئة ضد جماعات مسلحة أقل تجهيزاً. وأوضح أن هذا التحول يهدف إلى "إعداد القوات لحروب عالية الوتيرة"، واستعادة مهارات تراجعت منذ نهاية الحرب الباردة، حين كانت الجيوش الغربية تتدرّب في بيئات تتمتّع فيها بتفوق واضح عسكرياً وتقنياً ولوجستياً.
وأضاف ألار، وهو جنرال متقاعد من الجيش الفرنسي، أن هذا النوع من المحاكاة لـ"حرب عالية الوتيرة" لا يقتصر على الاشتباك الميداني، بل يشمل كل مستويات العمل العسكري، من القيادة العليا إلى الجنود في الميدان، مروراً باللوجستيات وسلاسل الإمداد، إضافة إلى "الاستعداد لخسائر بشرية ومادية" وكيفية التعامل معها في ظروف تحاكي الواقع.
وشدد على أن "أوريون 2026" تأخذ في الاعتبار الأبعاد الجديدة في الحروب المعاصرة، بما فيها الفضاء السيبراني، ضمن استعداد أوسع لما يُعرف بـ"الحروب الهجينة" التي تجمع بين العمليات العسكرية التقليدية والهجمات الإلكترونية وحملات التأثير الإعلامي، كتلك التي "تقوم بها روسيا بشكل مستمر"، موضحاً أن حملات التضليل لم تعد هامشية، بل "أصبحت جزءاً من المعركة نفسها"، إذ تهدف إلى "إحداث تصورات خاطئة للواقع" وتفتيت المجتمعات المستهدفة، ما يجعل أخذ هذا البعد في الاعتبار أمراً أساسياً في أي تخطيط عسكري اليوم.
وفي إحالة إلى الحرب الأميركية على إيران، قال الباحث الفرنسي إن المناورة تحضّر القوات المشاركة فيها للعمل ضمن تحالفات، لأن "أي دولة، حتى الولايات المتحدة نفسها، لا تستطيع إدارة أزمة كبرى بمفردها". لذلك، فإن جزءاً أساسياً من "أوريون 2026" يتركّز على التنسيق بين جيوش مختلفة، وعلى قدرة فرنسا على قيادة هذا النوع من العمليات متعددة الجنسيات، بما يتطلبه ذلك من انسجام وتنسيق بين القوات المشاركة وإداراتها، وتبادل المعلومات وسرعة اتخاذ القرار.
أما على مستوى السياسي، قال ألار إن كلّ دولة، بما فيها روسيا، تراقب من قرب هذا النوع من المناورات وتصغي بجدية إلى الرسائل التي تؤدّيها. وشرح ذلك بالقول إن "إظهار الجاهزية والقيام بتمارين علنية" يهدفان إلى التأثير في حسابات الطرف الخصم ودفعه إلى التفكير مرتين قبل أي مواجهة محملة، مختصراً هذا النهج الاستراتيجي بأن "إظهار القوة لا يعني السعي إلى الحرب، بل قد يكون أفضل وسيلة لتفاديها".
وبخلاف الآراء التي ترى في التكنولوجيا الجديدة قطيعة مع الحروب التقليدية، أوضح جان كلود ألار أن التحوّل يطاول أدوات القتال من دون المساس بجوهر الحرب نفسها، إذ إن ظهور الطائرات المسيرة والحرب السيبرانية يوسّع ساحة المواجهة ويضيف إليها طبقات جديدة من دون أن يغيّر طبيعة الحرب التي تقوم، بحسب تعبيره، على "صراع بين إرادات متنازعة".

أخبار ذات صلة.
خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات
الشرق الأوسط
منذ 14 دقيقة
إسرائيل تُوسّع «المنطقة الحمراء» جنوب لبنان
الشرق الأوسط
منذ 17 دقيقة