عربي
يشهد الميدان اللبناني تصعيدين كبيرين، أولهما عسكري، مع رفع إسرائيل مستوى عملياتها في الجنوب، وثانيهما سياسي، في ظلّ اتساع الخلافات بين المسؤولين اللبنانيين، وفشل المساعي حتى الساعة بجمع رئيسي الجمهورية جوزاف عون والبرلمان نبيه بري على طاولة واحدة، خاصة بعد الاتهامات المتبادلة التي خرجت أمس الأربعاء وكبّرت الهوّة بينهما. ويعقد مجلس الوزراء بعد ظهر اليوم الخميس جلسة في قصر بعبدا الجمهورية برئاسة عون لبحث الأوضاع الراهنة، وبعض البنود المحددة على جدول الأعمال.
وعلى صعيد الميدان العسكري، تواصل إسرائيل تصعيدها في جنوب لبنان منفذة منذ صباح اليوم، سلسلة غارات على قرى وبلدات جنوبية، منها عدشيت، وجبشيت، وتول، وحاروف، وصريفا، وبيوت السياد، وكونين، وقلاويه، وغيرها، وقد أسفرت عن وقوع عددٍ من الإصابات، من دون أن يصدر حتى الساعة بيانات رسمية بشأنها. في المقابل، أعلن حزب الله عمليتين منذ صباح اليوم، الأولى باستهداف مدفع 155 ذاتي الحركة جنوب بلدة يارين بطائرة مسيّرة، والثانية بإسقاط طائرة مسيّرة تابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي في أجواء مدينة النبطية بصاروخ أرض جو.
وطغت الرسائل المتبادلة، عالية النبرة، بين عون وبري على المشهد يوم أمس، إذ اعتُبرت الأعلى سقفاً بين الرئيسين، قبل أن يدخل حزب الله أيضاً على خطّها، بحيث لم يمرّ كلام رئيس الجمهورية حول "التنسيق والتشاور مع بري ورئيس الوزراء نواف سلام في كل خطوة اتخذها بما يتعلق بالمفاوضات"، وحول الردّ على منح إسرائيل حرية استكمال اعتداءاتها، من خلال البيان الأميركي، عقب محادثات مباشرة مع إسرائيل جرت في 14 إبريل/نيسان الجاري، بوساطة واشنطن، بقوله إن "النصّ نفسه اعتُمد في نوفمبر 2024، بموافقة الجميع"، من دون أن يردّ عليه رئيس البرلمان الذي قال في بيان إن "ما ورد على لسان عون غير دقيق، إن لم نقل غير ذلك".
كما شدد حزب الله، على لسان ممثله في البرلمان، النائب إبراهيم الموسوي على أن "اتفاق وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، لم يتضمّن لا من قريب ولا من بعيد، أيّ ذكر لإعطاء العدو أيّ امتيازات أو حقوق أو إطلاق يده في مهاجمة لبنان"، مشيراً إلى أن اتفاق 2024 أعطى لبنان حقّه الطبيعي في الدفاع عن النفس بما يتماشى مع القانون الدولي.
واعتبر أن ما ذكره عون "يشكل التباساً شديداً وخلطاً للأمور مما يستوجب مراجعته واستدراكه فوراً"، مضيفاً أن "بيان الخارجية الأميركية الذي يُعطي العدو الحق في مهاجمة لبنان واستباحة أرضه يشكّل سابقة خطيرة، لا سيما أنه صدر باسم الأطراف الثلاثة المجتمعة وعنها". ولفت الموسوي إلى أنه "إذا كان لبنان غير معني بهذا المضمون وغير موافق عليه، فإنّ المطلوب موقف واضح وصريح يرفض ذلك علناً".
وأكدت مصادر مقرّبة من بري لـ"العربي الجديد"، أن "بري لم يوافق مطلقاً على التفاوض المباشر مع إسرائيل، ولم يكن في صورة البيان الأميركي، وحتماً هو غير موافق عليه"، مشددة على أن "الفرق كبير جداً بين اتفاق 2024 ومذكرة التفاهم التي نشرتها الخارجية الأميركية عقب المحادثات المباشرة، ولا نعرف كيف رأى رئيس الجمهورية أن النصّين متشابهان".
ولفتت المصادر ذاتها إلى أن "لا قطيعة كاملة بين عون وبري، لكن طبعاً هناك توتر حالياً، وتباينات كبيرة، فرئيس الجمهورية يصرّ على التفاوض المباشر وذاهب بذلك، بينما يؤكد بري تمسّكه بالتفاوض غير المباشر مع إسرائيل، وبأولوية وقف إطلاق النار وكافة الاعتداءات بما في ذلك على الجنوب اللبناني". وتساءلت المصادر "فعن أي هدنة نتحدث والجنوب يقصف ويدمّر يومياً؟"، مشيرة إلى أن "بري كان دائماً مع التوافق والتشاور والحوار، ولن يقفل الباب على ذلك، بالعكس، هو يتمسّك اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى بأهمية التوافق ووحدة الموقف، ويأمل أن يكون ذلك بنيّة الآخرين أيضاً، لأن الانقسام لا يفيد بهذه المرحلة".
من جهتها، فضّلت مصادر في الرئاسة اللبنانية عدم التعليق على الاتهامات، واكتفت بالتأكيد لـ"العربي الجديد"، أن "عون ماضٍ في مسار التفاوض المباشر مع إسرائيل، ولا يزال ينتظر من واشنطن تحديد موعدٍ لذلك، مع تأكيد أولوية وقف كامل لإطلاق النار على الأراضي اللبنانية". وأشارت المصادر إلى أن "عون مستمرّ في اتصالاته الخارجية وخاصة الأميركية من أجل وقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، ويأمل أن تثمر في الوقت القريب، مع تمسّكه على أن كلّ شيء يُحلّ عبر التفاوض".
وكشفت أن "هناك لقاء قد يجمع اليوم عون والسفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى"، مضيفة "لا نعرف حتى الساعة ما سيحمله معه، إذا كان هناك موعد حدّد للتفاوض أو مسائل أخرى، لكن نأمل أن يأتي بأجواء إيجابية". كما لفتت المصادر إلى أن "عون لا يزال يرفض لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وهو كان أبلغ الأميركيين بذلك، ويعتبر أن الوقت حالياً للتفاوض على مستوى وفدي البلدين".
