ميلانيا ترامب... كائن صامت يحيطه الضحك والثرثرة
عربي
منذ 3 أيام
مشاركة
حين نشاهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مقابلة أو مؤتمر صحافي، أو أي مناسبة، ننتظر منه أن يتحدّث فقط. كلامه (وهو ثرثار سوقيّ) سيمنحنا، طوال الوقت، مادة دسمة للسخرية منه. على النقيض منه، تأتي زوجته ميلانيا ترامب التي تلتزم معظم الوقت الصمت، مانحةً الجمهور وجهاً جامداً بعينين باردتين. لكنها ما إن تتحدّث أو تُدلي بتصريحات، فكلامها القليل هذا سيمنحنا مادة يتسابق عليها الإعلام الأميركي كي يلتقطها ويستثمرها في برامجه الساخرة والكوميدية. في الأيام الأخيرة، هناك من استفزّ ميلانيا ترامب كي تنطق وتشتعل حرباً؛ إذ سخر المذيع الكوميدي جيمي كيميل خلال برنامجه منها، قائلاً إنها تشبه "أرملة في الانتظار". ردّت على ما قاله بحدّة، واصفةً كلامه بأنه خطاب كراهية، ومطالبةً بالاعتذار الذي رفض تقديمه بطبيعة الحال، مشيراً إلى أنها نكتة "خفيفة جداً"، تتعلق فقط بفارق العمر بينها وبين دونالد ترامب. تمثّل ميلانيا ترامب حالة فريدة في تاريخ السيدات الأوائل داخل الولايات المتحدة؛ إذ تحوّلت عبر "ساترداي نايت لايف" (Saturday Night Live) وبقية البرامج الكوميدية الليلية، من شخصية سياسية صامتة ومتحفظة، إلى أيقونة كرتونية متكاملة الأركان، فبنى الكوميديون صورتها على أعمدة التناقض والغموض والمسافة الشاسعة التي تفصلها عن صخب زوجها. في "ساترداي نايت لايف"، برعت الممثلة سيسلي سترونغ في تقديم فقرة "لحظات ميلانيا" (Melania Moments)، وهي سلسلة من الفيديوهات القصيرة التي تعتمد على المونولوغ الداخلي. في هذه الفقرة، تظهر ميلانيا وهي تنظر بجمود نحو أفق مدينة نيويورك أو من شرفة البيت الأبيض، بينما يتردد صدى أفكارها التي تكشف عن رغبة دفينة في العودة إلى حياتها الهادئة السابقة. تركز هذه الصورة الساخرة على فكرة السجينة الجميلة، إذ يصورها البرنامج كأنها تعيش في حكاية خرافية معكوسة، محبوسة في غرف من الذهب، ومنفصلة تماماً عن الواقع السياسي الذي يحيط بها. هذه السخرية التقطت بذكاء الصمت الطويل لميلانيا، وحولته إلى مادة درامية توحي بأن هذا الصمت هو في الحقيقة هروب ذهني من عالم لا تنتمي إليه. أما الممثلة لورا بنانتي في برنامج "ذا ليت شو" (The Late Show) مع ستيفن كولبير، فقد قدمت النسخة الأكثر تأثيراً وحضوراً لميلانيا. اعتمدت بنانتي في تقليدها على المبالغة في تضييق العينين واللهجة السلوفينية الثقيلة، لترسم ملامح الشخصية التي تحاول دائماً الظهور بمظهر القوة والسيطرة. كانت نقطة التحول الكبرى في هذه الشخصية هي حادثة خطاب المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري عام 2016، حين اتُهمت ميلانيا ترامب باقتباس جمل من خطاب ميشيل أوباما. استغل كولبير وبنانتي هذا الحدث ليجعلا من الانتحال سمة دائمة في شخصيتها الكوميدية. في المقابل، ركز تريفور نواه في برنامج "ذا ديلي شو" (The Daily Show) على الجوانب الأكثر تناقضاً في نشاط ميلانيا ترامب العام، وتحديداً حملتها الشهيرة "كن الأفضل" (Be Best) الموجهة لمكافحة التنمر عبر الإنترنت. كانت الكوميديا هنا تتجاوز الشكل الخارجي لتصل إلى صلب المفارقة السياسية؛ فكيف للسيدة الأولى أن تدعو إلى اللطف الرقمي بينما زوجها أحد أكثر المستخدمين حدّةً وتنمّراً على منصات التواصل. تناول نواه هذه الحملة بصفتها ذروة الكوميديا السوداء في إدارة ترامب (الأولى)، فصوّر ميلانيا شخصية تعيش في حالة انفصام كاملة عن أفعال زوجها، ما جعل من شعار Be Best مادة للسخرية في كل مرة يخرج فيها ترامب بتصريح هجومي، ليؤكد البرنامج أن هذه الحملة لم تكن سوى واجهة تجميلية تفتقر إلى أي تأثير واقعي. لا تمكن قراءة صورة ميلانيا ترامب في الإعلام الساخر من دون التوقف عند حادثة السترة الشهيرة عام 2018، عندما ارتدت سترة كُتب عليها "أنا حقاً لا أهتم، فهل تهتم أنت؟" (I Really Don't Care, Do U?) خلال زيارتها لأطفال المهاجرين. هذه اللحظة كانت بمثابة "هدية" للبرامج الليلية مثل برنامج سيث مايرز وجيمي فالون، إذ بدت السترة كأنها رسالة مشفرة تعبر عن موقف ميلانيا تجاه القضايا الإنسانية المعقدة. في تلك الفترة، تحولت السيدة الأولى في الكوميديا من السجينة إلى الشخصية غير المبالية، وصار الكوميديون يستخدمون السترة رمزاً لتوضيح الفجوة بين الخطاب الرسمي للإدارة، وبين البرود العاطفي الذي كانت توحي به شخصيتها. في مسلسل الرسوم المتحركة "رئيسنا الكرتوني" (Our Cartoon President)، اتخذت السخرية منحى أعمق في تحليل ديناميكيات السلطة داخل العائلة. صُوّرت ميلانيا هنا بوصفها أذكى شخصية في البيت الأبيض، لكنه ذكاء بارد وموجه نحو المصلحة الشخصية والراحة الذاتية. في هذا العمل، تظهر ميلانيا كمن يدير الأمور من خلف الستار، لضمان ألا يزعج صخب زوجها حياتها الخاصة. هذه النسخة الكرتونية جرّدتها من صورة الضحية التي رسمها برنامج "ساترداي نايت لايف"، واستبدلتها بصورة الناجية التي تعرف تماماً كيف تتعامل مع تقلبات زوجها وتخرج منها بأقل الخسائر. السمة المشتركة في كل هذه البرامج هي استغلال لغة الجسد لدى ميلانيا؛ تلك النظرات الحادة، والابتسامات العابرة التي تختفي فجأة، والمشي المتصلب. نجح الكوميديون الأميركيون في تحويل كل هذه التفاصيل البصرية الصامتة إلى لغة حوارية. ففي برامج مثل برنامج جيمي فالون، كان يُركّز على صمت ميلانيا بصفته سلاحاً، إذ يُفهم من عدم كلامها أكثر مما يُفهم من تصريحاتها المقتضبة. هذا الحضور الصامت جعل منها شاشة بيضاء أسقط عليها كل كوميدي تصوراته الخاصة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية