عربي
بعيداً عن الوطن الصغير بمساحته والكبير بمكانته، عرفتُ معنى كلمة الشتات، فإذا كان يُقصد بها تفرّق أبناء الشعب الفلسطيني في بقاع الأرض بعد النكبة، وكذلك إبان نكسة 1967، فالمعنى اليوم يختلف؛ فسابقاً كان التواصل متباعداً وصعباً مع الأهل الذين ظلّوا في البلاد، ويُقصد بكلمة البلاد الوطن. ويمكن أن تتخيل وقع هذه الكلمة على نفسك وقلبك حين يحدثك جدك الطاعن في السن عن "أيام البلاد"، فيما استقرّ به المطاف الأخير في مخيم للاجئين في جنوب قطاع غزّة، على سبيل المثال، وقد ظلّت كلمة "أيام البلاد" مثل مفتاح سحري بالنسبة لي، يفتح لي أبواباً متداخلة ومتخيّلة لعالمٍ بعيد، ولكنه ساحر وخيالي أيضاً؛ لأنه من ضرب المستحيل، بل من الخيال، الوصول إليه بعد أن أصبح أرضاً مغتصبة ومحتلّة.
هنا، وبعيداً عن غزّة، أصبح لكلمة الشتات معنى آخر أشعر به، رغم أنني خرجتُ قسراً مع كل أفراد عائلتي الصغيرة. ورغم أنني أتواصل مع كل أحبتي، وأتابع أخبارهم من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أنني أشعر بشتات الروح والنفس؛ فهناك لهفة خفيّة، وحنين ضارب الجذور، ونداءٌ صامت لا يتوقف، وكأن خيوطاً خفية تشدّني نحو ذلك المكان الضيق المحاصر المتألم والمظلوم والفاقد كل مقومات الحياة الإنسانية. رغم هذا، هناك هذه المشاعر نحوه، وهنا أشعر بالشتات لأن لدي رغبة لا توصف كي أعود، ولا ألوم العائدين في هذه الأيام على لهفتهم للعودة حتى ولو بحركة بطيئة مميتة بالانتظار، وتحت مظلة دعاية فاسدة متآمرة بأن حرية الحركة في الاتجاهين متاحة للسفر من غزة والعودة إليها، على الرغم من أن حسبة بسيطة سوف تكشف لك أنك بحاجة للانتظار لأعوام حتى تتمكّن من السفر خارج القطاع، فيما تحتاج عاماً لتعود إليه، فيما تكبر الكذبة كالتي تمارس عند إدخال المساعدات الغذائية نحو القطاع، بينما هي لا تفي فعلياً بحاجة السكان، ولا تحقق لهم الأمن الغذائي الصحي، فما حاجة رجل معوز في خيمة مهترئة لتناول الشوكولاتة، فيما تنادي خلايا جسمه وعضلاته بحاجتها لتناول اللحم الطازج مصدراً للبروتين، لكي تستمر في تحمّل هذه الروح المتعبة؟ ويمكنك القياس على هذه الكذبة بكذبات أخرى مماثلة، مثل أن الحرب انتهت، ولكن الحقيقة أن الموت مستمرٌ، وأن نحو ثمانية أشخاص على الأقل يُقتلون يوميّاً في أنحاء متفرقة في القطاع بالقصف العشوائي، غالبيتهم من الأطفال الذين كانوا يمرّون مصادفة بالمكان.
سوف تدرك معنى الشتات اليوم حين تعلم أن مئات العائلات تفرّقت بسبب الحرب؛ فقد خرج بعض أفرادها للعلاج، من جرحى الحرب أو ذوي الأمراض المستعصية، في الشهور الأولى من هذه الإبادة، فيما ظلّ باقي أفراد العائلة في القطاع، وقد تخرج الأم برفقة الأطفال ويبقى الأب، أو قد يحدُث العكس، ولكنك في النهاية أمام حالات لتمزّق أسري يُعد من أهم تداعيات الحرب التي لم تتوقف، والتي تصرّ على أن تترك بصمتها الملوثة بالدم في كل منحى؛ ففيما تُدمَّر البيوت والطرق ومصادر الرزق، وتُترك الأرض كأنها صحراء، فالعائلات الغزية تتمزّق وتتباعد وتقتلها اللوعة، حيث يطول الانتظار بسبب استمرار إغلاق معبر رفح، شريان الحياة الوحيد، وحين يُفتح بلا فعالية ملموسة بعد نحو عامين، فاللقاء لا يتم، وتأبى آلة الحرب المجنونة إلا أن تكمل وحشيتها؛ فتقتل الأب قبل ساعاتٍ من موعد لقائه بطفله الصغير، الذي خرج مع الأم للعلاج في مصر وهو ما زال رضيعاً، وكان يستعد لكي يلتقي به بعد أن أصبح في الثالثة من عمره. أما الأم التي عادت بعد خروجها للعلاج من السرطان قبل عامين، فقد عادت لكي تكتشف أن عائلتها قد نقصت الزوج وثلاثة من الأبناء، ولم تجد في انتظارها سوى صور باهتة تحملها ابنة صغيرة أصبحت، مرغمةً، أمّاً بديلة لمن ظل حيّاً من الأبناء.

أخبار ذات صلة.
روسيا لن تنشر معدات عسكرية في عرض 9 مايو
الشرق الأوسط
منذ 10 دقائق
الكتابة لا تكفي؟
العربي الجديد
منذ ساعة