كم تبقّى لنا؟
عربي
منذ ساعة
مشاركة
في مكان ما في داخلنا، ساعة صامتة لا نراها. لا تصدر صوتاً، ولا تومض، ولا تُذكّرنا بشيء. تمضي، فقط، كما يمضي العمر: خفيفاً حين لا نراقبه، وثقيلاً حين نفكّر به. لكن، ماذا لو انكشفت هذه الساعة فجأة؟ ماذا لو عُرف تاريخ الرحيل كما نعرف تاريخ الميلاد؟ ماذا لو استيقظنا ذات صباح، وعلى جبيننا رقم أخير؛ عدد الأيام المتبقية لنا؟ لن يكون السؤال عن الموت بحدّ ذاته. الموت، في النهاية، حقيقة قديمة، مألوفة، نعرفها كما نعرف أسماءنا. لكننا نتعامل معه كفكرة مؤجّلة، نؤجّل التفكير فيها كما نؤجّل ترتيب درج مهمل. نقول لأنفسنا: لاحقاً. ليس الآن. هناك متسع. فماذا لو لم يكن هناك "لاحقاً"؟ الفيلم الأميركي (The Purge/التطهير) قدّم تجربة قاسية: يوم واحد بلا قانون. وفي هذا اليوم، لم يكتشف الناس حريتهم، بل اكتشفوا دمويتهم. خرجت الغرائز كما لو أنّها كانت تنتظر إذناً رسمياً، وكأنّ القانون لم يكن فقط ينظّم المجتمع، بل يكبح الوحش الكامن فينا. لكن ماذا عن تجربة أخرى؟ تجربة بلا زمن، أو بزمن محدود معلوم. ليس يوماً واحداً من الفوضى، بل حياة كاملة تحت ظلّ العدّ التنازلي. السؤال الحقيقي ليس: متى سأموت؟ بل: كيف سأعيش لو عرفت موعد الموت؟ في برامج الواقع، حين يُمنح الإنسان زراً رمزياً "لإنهاء الآخر"، تتعرّى طبقات النفس بسرعة مذهلة. لا نحتاج كثيراً من الضغط لنرى ما نُخفيه. يتقاطع هذا مع ما قاله عالم النفس سيغموند فرويد عن الغرائز، إنّ الإنسان ليس كائناً عقلانياً كما يحبّ أن يعتقد، بل كائن تدفعه رغباته الأولى، خوفه، شهوته، وعدوانه. لكن، لو عرفنا متى نموت، هل سنصبح أكثر وحشية، أم أكثر إنسانية؟ الجواب ليس بسيطاً. بعضنا قد يستسلم لفكرة "لا جدوى"، فينزلق نحو اللامبالاة: لماذا أؤجّل اللذة؟ لماذا أقاوم الرغبة؟ لماذا أكون صالحاً إن كان كلّ شيء سينتهي في تاريخ مُحدّد؟ هنا، قد تتحوّل الحياة إلى نسخة طويلة من "يوم التطهير"، لكن بصمت. فوضى داخلية لا تُرى، لكنها تعيد تشكيل القرارات، العلاقات، وحتى الأخلاق. لكن، في المقابل، قد يحدث العكس تماماً. قد يصبح الوقت أكثر قيمة. لا يعود يوماً عادياً بل جزءاً من رصيد يتناقص. سنحسب الكلمات، ننتبه للوداع، نطيل النظر في وجوه من نحبّ. ربما سنكفّ عن تأجيل الاعتذار، عن تأجيل الحبّ، عن تأجيل الحياة نفسها... سنفهم فجأة أنّ الخطيئة رفاهية لا نملكها. نتصرّف وكأننا سنعيش إلى الأبد، بينما الحقيقة الوحيدة المؤكّدة هي عكس ذلك بين الخوف واللامبالاة، يولد شكل ثالث من العيش: الوعي. أن تعيش وأنت تعرف أنّ النهاية ليست فكرة بعيدة، بل موعد قريب أو بعيد، لكنه محدّد. هذا الوعي قد يكون أثقل من أن يُحتمل، أو أنضج من أن يُهمل. في ثقافتنا، نُخفّف وطأة الموت بالحديث عن "الممر"، عن حياة أخرى، عن عدالة مؤجّلة. وهذه السردية تمنحنا عزاءً عميقاً، وتسمح لنا أن نستمر. لكن، حتى مع هذا الإيمان، نحن لا نعيش كما لو أنّنا سنموت غداً. نؤجّل، نتردّد، نخاف، ونضيّع الوقت كما لو أنّه بلا نهاية. "اعمل لآخرتك كأنك تموت غداً".. جملة نكرّرها، لكننا نعيش ونحن نعمل عكسها تماماً. أنا، على أبواب الأربعين، أفكّر بهذا أكثر مما يجب. ليس من باب الفلسفة، بل من باب التجربة. أنا من جغرافيا لا يمرّ فيها الموت كخبر، بل كجار. من أرضٍ كانت ممراً للغزاة، وما زالت. من ذاكرة تعرف الفقد قبل أن تتعلّم النسيان. نحن، أبناء هذه الرقعة، لا نتساءل: هل سنموت؟ بل: متى؟ وكيف؟ أفكّر بالموت كأنّه صديق ثقيل الظل. لا يرحل، ولا يتحّدث، لكنه حاضر. أحياناً أقترب من الفكرة حدّ الألفة، وأحياناً أهرب منها كما لو أنّها حريق. لكن السؤال الحقيقي ليس: متى سأموت؟ بل: كيف سأعيش لو عرفت؟ نخطّط طويلاً، نقلق كثيراً، نحمل أثقالاً لا داعي لها، وننسى أنّ الزمن ليس مفتوحاً لو قيل لي إنّني سأموت غداً، هل سأخاف أم سأهدأ؟ هل سأركض نحو كلّ ما أحب، أم سأكتفي بالنظر؟ هل سأعتذر؟ هل سأغفر؟ هل سأقول الكلمات التي خبّأتها طويلاً؟ ربما، في اللحظة الأخيرة، سنكتشف أنّ الحياة لم تكن تحتاج كلّ هذا التعقيد، أنّ البساطة كانت كافية، أنّ الحب كان واضحاً، وأنّنا، فقط، كنا نؤجّل. المفارقة أننا نتصرّف وكأننا سنعيش إلى الأبد، بينما الحقيقة الوحيدة المؤكّدة هي عكس ذلك. نخطّط طويلاً، نقلق كثيراً، نحمل أثقالاً لا داعي لها، وننسى أنّ الزمن ليس مفتوحاً. لكنني، رغم كلّ هذا، لا أريد أن أعرف متى سأموت. ليس لأنّني لا أحتمل الحقيقة، بل لأنّ الجهل بها يمنحني مساحة للأمل، مساحة لأخطئ وأصحّح، لأؤجّل وأعود، لأحلم بلا سقف. المعرفة الدقيقة قد تكون قاسية أكثر مما نتصوّر، قد تحوّل الحياة إلى مشروع مؤقّت، محسوب، خاضع للعد. وربما، في النهاية، هذا هو سرّها. أن نعيش بين يقينين متناقضين: نعرف أنّنا سنموت، لكننا لا نعرف متى. وهذه المسافة بين المعرفة والجهل هي التي تصنع إنسانيتنا. أنا لا أفكّر كيف سأموت غداً. أنا أفكّر أن أعيش كما لو أنّ لديّ وقتاً كافياً لأحبّ أطفالي، لأحكي لهم عن العودة، عن الأرض، عن الحكاية التي لم تنته. أفكّر أن أعيش كأنّني باقية، لأنّ هذا وحده ما يمنحني القدرة على الاستمرار. وربّما لا نحتاج أن نعرف كم تبقّى لنا، بل أن نعيش كما لو أنّ كلّ ما نملك هو الآن.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية