بيل هوكس وسياسات الحُبّ.. في مواجهة قيم الفردانية والتشيؤ
عربي
منذ ساعة
مشاركة
في كتابها "كلّ شيء عن الحبّ" (دار العين، القاهرة، ترجمة أميمة صبحي، 2025) تأخذنا الكاتبة والناشطة النسوية الأميركية بيل هوكس في رحلةٍ سابرةً أعماق الوجدان المعاصر، لترسم ملامح أزمتنا الوجودية الكبرى: اغتراب الروح وسط المادية التي تفرض سطوة القوة وتُقصي العاطفة إلى الهوامش. تشرع هوكس في تفكيك البنى التحتية لـ "ثقافة عدم الحب"، كاشفةً كيف تقهقرت الروابط الإنسانية ومؤسسات القرابة تحت ضربات الفردانية والمجتمع الأبوي الذي لا يرى في العاطفة سوى ضعفٍ يجب تهذيبه أو إخفاؤه. تُعرّي هوكس في كتابها الدور الذي يلعبه الإعلام والمنظومات الاستهلاكية في صياغة مفهوم مشوّه عن الحب، إذ تم تحويله من فعل إرادي يتطلب الجهد والوعي إلى مجرد مصادفة كيميائية أو شعور عابر خارج عن السيطرة، مما جعل الانفصال هو الملاذ الآمن والقطيعة هي القاعدة بدلاً من التواصل الإنساني الجوهري. يتجاوز هذا الطرح حدود التنظير الاجتماعي التقليدي ليصبح مانيفستو فكرياً يطالب بإعادة الاعتبار للحب بوصفه قوة سياسية واجتماعية فاعلة؛ فهي لا ترى في الحب رفاهية عاطفية أو ملجأً للهروب من الواقع، بل تعلنه منقذاً وحيداً لقلوبنا ولإنسانيتنا المهددة بالتآكل تحت وطأة التشيؤ. تعيد الاعتبار للحب بوصفه قوة سياسية واجتماعية فاعلة تضع هوكس يد القارئ على موطن القوة الكامنة في "أخلاقيات الحب" التي تجمع بين المسؤولية، والالتزام، والاحترام، والمعرفة. هذه القوة ليست مجرد مشاعر دافئة، بل هي طاقة قادرة على تجديد الذات، وشفاء الجراح الغائرة التي خلفتها تجارب الفقد والاغتراب في عالم لا يحترم إلا لغة الإنتاج والمنفعة. إنها تعيدنا إلى ما تسميه بـ"وعد الحياة"، حيث يصبح الاعتراف بالآخر والتبادلية العاطفية هما حجر الزاوية في بناء مجتمع قادر على البقاء. بيل هوكس (1952-2021)، التي تُصنف واحدة من أبرز الأصوات الفكرية التي غيّرت مسارات النقد الثقافي في العالم، تدمج في هذا العمل بين التجربة الشخصية والتحليل السوسيولوجي، لتؤكد أن الطريق نحو العدالة والحرية يمر حتماً عبر "قلب محبّ". هي تعتقد جازمةً أن المجتمع الذي يفتقر إلى الحب هو مجتمع تسهل قيادته بالخوف والقمع، ومن هنا تكتسب دعواتها صبغة ثورية؛ فالحب عندها هو نقيض التسلطية، وهو الترياق الذي يبطل مفعول السموم التي تبثها العنصرية والطبقية في عروق البشرية. تستند قوة العمل إلى بناء هوكس على أطروحات منظّرين مثل إريك فروم وم. سكوت بيك، حيث تتبنى تعريف بيك للحب بوصفه "الإرادة لتوسيع الذات من أجل نمو المرء الروحي أو نمو الآخر". وبذلك، تعيد هوكس صياغة الحب باعتباره فعلاً وليس اسماً، مؤكدة أنه اختيار واعٍ وليس مجرد شعور عارض. ورغم ما يؤخذ على الكتاب من عدم تسمية الفوارق العرقية والإثنية مباشرة في ممارسة الحب، خاصة في سياق المجتمع الأميركي حيث تتعرض المجتمعات الملونة للاستغلال بمعدلات أعلى، إلا أن هوكس تظل رائدة في تقديم عمل نظري يجيب على تساؤلات الحب بعمق.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية