عربي
كثيرٌ من "صبرا وشاتيلا" و"كفر قاسم" و"دير ياسين" ومذابح أخرياتٍ مثيلة تقع عليه في المقتلة المروّعة التي اقترفها أمجد يوسف ومعاونان له (أو أكثر) في حي التضامن في دمشق في إبريل/نيسان 2013، والتي يُشيع أي حديثٍ عن تفاصيلها في النفوس أرطالاً من الفزع والجزع، سيّما وأن الذي صار معروفاً إنها لم تكن الوحيدة من نوعها في الحيّ نفسه قارفها هذا العنصر البارز في الأمن السوري في نظام الأسد الساقط، وأمثالٌ له، وسيّما وأن أعداد الضحايا ليست محسومة، فإذا أفيد بأن الفيديوهات التي ذاعت وشوهدت، وقد صوّرها المجرمون أنفسهم، دلّت على 41 إنساناً رماهم أولئك، معصوبي العيون مكتّفين، في حفرة، ثم أحرقوهم فيها، فإن من فاضت أرواحهم إلى العلا بفعل أولئك القتلة يتجاوزون المائتين، على ما ذكرت تقارير موثوقة. وإذ دوّى في الديار السورية نبأ القبض على أمجد يوسف منذ صباح يوم الجمعة الماضي، وإذ بلغت ارتداداتُ هذا الحدث، المُفرح، دياراً واسعةً في الأرض، فإن من بين أمورٍ ليست قليلة يستدعيها هذا المستجدّ أن تتوفّر للرأي العام كل التفاصيل المتعلّقة بارتكابات هذا الرجل (هل نسمّيه متّهماً للاحتراس القانوني أم مجرما وقد وثّق جرائمه؟)، كما يعترف بها بنفسه. وهو الذي يعدّ حِرزاً ثميناً لقوى الأمن، إذ قد يوفّر معلوماتٍ مهمّة عن أمثالٍ له، وعمّن كانوا يأمرون ويوجّهون إبّان محدلة التمويت في عهد الأسد الابن.
ولمّا ارتُكبت المذبحة التي دلّت على توحشٍ توطّن في نظام الأسد قبل تسع سنوات من معرفتها، ولمّا جرى القبضُ على أبرز مقترفيها بعد عامٍ وشهورٍ من فرار بشّار الأسد وإسقاط الشعب السوري سلطته، فذلك يعني، من بين كثيرٍ يعنيه، أن الحقائق، مهما طال زمن التعمية عليها، والتشويش ضدّها، والافتراء عليها، لا بدّ أن ينجلي الليلُ الذي يخفيها، ولا بدّ للقيود التي تطوّق إشهارها أن تنكسر. وهنا يتجدّد التداول في ملفّات الإنصاف والمحاسبة والعدالة الانتقالية، والتي يتبرّم السوريون من التباطؤ الحادث فيها، ومن "تسوياتٍ" مع هذا وذاك، متّهمين بمباذل ومشتبهٍ بهم في غير شأن، ما يلزَم أن ينشط النقاش، الجدّي، مجدّداً، بشأن الآليات العملية والإجرائية المهنية، والمؤكّد أنها طويلة وعلى بعض التعقيد، إلى ما يعجّل فيها، وينزلها في الواقع. بعد أن تُنجز التشريعات والقوانين اللازمة والناظمة لهذه العملية. ومن بديهي البديهيات أن أنفاس الفرح التي غشيت أهالي ضحايا أمجد يوسف وشركاه، لمّا وصل إليهم أنه جرى الإمساك به (ما تفاصيل مخابئه؟)، ستكون ظرفيةً وعابرة، إذا لم تستعجل مساطر العدالة مجراها القانوني، وتقتصّ من القتلة، وتكشف المستور في الجريمة ومثيلات لها في حي التضامن وغيره.
لا يليق أن يُغفل أي حديثٍ، في غضون البهجة بسقوط واحدٍ من رؤوس الإرهاب في الزمن الأسدي، عن تزجية التقدير الواجب للفريق الذي كشف عن المذبحة في الحي الدمشقي الفقير، وفي مقدّمته أنصار شحّود التي بذلت جهداً استثنائيّاً، كان منه التحايل على أمجد يوسف، لتتمكّن من أن يُرسل إليها بنفسه فيديوهاتٍ يتباهى بتصويرها، وتتضمّن مشاهد من إجرامه ومن معه. أمكن للنبيلة، العالية في سموّ إنسانيتها وسوريّتها، في نحو عامين، أن تهيئ، مع زملائها، حازم عبدالله ودمر سليمان وأور أوميت أونغر (وآخرين ربما)، الملفّ الموثق بالصور الحيّة للمقتلة التي ما كان لنا أن نضمّها إلى الأرشيف الأسود إيّاه للأسد، لولا عملهم الحرفي، ولم يتوخّ غير الحقيقة والعدالة والإنصاف، وحماية الضحايا من النسيان، فكان التقرير المتميّز في صحيفة الغارديان في إبريل/ نيسان 2022، وطالعناه في حينه، ونحن نتابع أنباءً كانت تتوالى عن تأهيل النظام القاتل في المنظومة العربية الرسمية والتطبيع الكامل معه.
نطمع بالكثير من السلطة القائمة، المرجوّ أن تتوفق في مسار العدالة والقصاص من كل القتلة والمجرمين، في زمن الأسد وما بعده. وإذ تُهنّأ على نجاحها في القبض على أمجد يوسف (وأفرادٍ من اسرته تستّروا عليه)، فإن المنتظر المأمول منها كثيرٌ في مسألة حي التضامن... وفي مسائل أخرى لا شك.
