عربي
في مساء الأربعاء، الأول من أبريل/ نيسان الجاري، عند السادسة والنصف، انطلق صاروخ "إس إل إس"، الأقوى الذي بُني حتى الآن، من مركز كينيدي الفضائي في فلوريدا، متجهاً نحو القمر. وعلى متنه مركبة "أوريون"، بطول يتجاوز الثلاثة أمتار وقطر يقارب الخمسة، تقل أربعة روّاد فضاء: ثلاثة أميركيين وكندياً. لن تكون مهمتهم الهبوط على سطحه، بل الدوران حول ذلك الجرم السماوي والعودة إلى الأرض، في أول رحلة بشرية منذ عام 1972.
غير أن الرحلة إلى القمر، هذه المرة، تبدو أكثر من مجرد حلمٍ علمي قديم. إنها، في كثير من جوانبها، انعكاسٌ لعصر جديد، لم تعد السماء فيه فضاءً للمعرفة وحدها، بل صارت ساحةً للتنافس تتقاطع فيها السياسة والاقتصاد وشركات التكنولوجيا العملاقة. فالمشروع المعلن هو تأسيس وجود بشري دائم على القمر قبل نهاية العقد، تمهيداً لمهام أبعد نحو المريخ، لكن خلف هذا الطموح العلمي يطلّ صراع آخر: سباق نفوذ جديد بين الولايات المتحدة والصين، وكأن القمر هو استمرار لتنافس أرضي لا أكثر. وهو اليوم يلبس رداءً جديداً مختلفاً عن ذلك التنافس القديم الذي بدأ مع المواجهة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، بين رؤيتين للعالم تتنافسان على معنى التقدم. اليوم، تبدو المنافسة أكثر تشابكاً، وأكثر التصاقاً بشبكات الاقتصاد الرقمي وقادة وادي السيليكون، حيث تتداخل الدولة مع الشركات، والعلم مع السوق، والحلم مع الاستثمار.
من ماركيز إلى أدونيس استلهم الأدباء القمر في إبداعاتهم
في هذا السياق، تغيّرت صورة القمر؛ ذلك الجرم البعيد الذي يُنظر إليه من الأرض صار جزءاً من خرائط النفوذ، ومن لغة المشاريع الكبرى، ومن صورة السيليكون نفسها، التي تتحدث عن مستوطنات قادمة وحدود جديدة للبشرية، بعد أن كان مكاناً لا يمكن الوصول إليه: شيء يتبدل مع الإنسان، لا شيء يُستولى عليه. يتكرر ظهوره وغيابه، لكنه لا يستقر، وكأنه يرفض أن يُختصر في تعريف واحد.
هكذا بدأت صورة القمر تتغير في المخيلة البشرية. ففي الأدب القديم كان كائناً رمزياً يتحرك في ذاكرة الإنسان. فعند الإغريق، كان وجهاً للإلهة "أرتميس"، وعند الرومان ظلّ علامة على التحول والدورات الخفية للحياة. وفي الصحراء رافق العابر، وكان ميزاناً للزمن، ومرآةً للتيه والاهتداء. وفي الشعر العربي كان القمر تجسيداً للحياة في فشلها ونجاحها، في الظمأ الأبدي، وفي حنين الروح للجسد، وفي ملء شقوق عوالم الشاعر الداخلية. كان القمر بالنسبة للشاعر الجاهلي انعكاساً للذات، يستسلم له كما يستسلم للحلم، ويتحد معه كما يتحد مع الحبيبة. مع أبي نواس صار القمر "يتقلب في مدامةٍ" بدلاً من أن يتقلب في السماء. ومع أبي تمام سُجن القمر في "الصحو الممطر والضياء المظلم". أما المتنبي، فلن يستغرب أحدٌ إن رأيناه يطلب من القمر ما لا يستطيع القمر نفسه أن يفعله. لقد كان القمر بالنسبة للشاعر في مستوى طموحه، وطموحه "جلّ أن يُسمى".
ولم تقتصر صور القمر هذه على الأدب العربي وحده. فلطالما كان القمر في الأدب العالمي حاضراً، وإن تغيّرت معانيه. فجولييت شكسبير شكّكت في القمر نفسه، ولم ترد لعاشقها روميو أن يقسم لها بجرمٍ سماوي متقلّب لا يستقر على حال. أما لوركا، فأخذ القمر إلى ورشة الحدادة، إلى قلب العالم الإنساني، حيث صنع منه الغجر قلائد وخواتم بيضاء، وأسروه. ماركيز بدوره، نسج القمر في سرديات الإنسان المعاصر. حينها صار القمر ذريعةً، أو معلومةً قابلة للتصحيح أو الإهمال، شيئاً يمرّ في الخلفية، بينما يحدث كل شيء آخر على الأرض.
نعم، لقد تغير القمر اليوم، أو بالأحرى بقي القمر نفسه في الجوهر، لكن العالم من حوله صار مختلفاً. لم تعد الأرض تتأمله كما كانت تفعل سابقاً. لقد أصرت الشركات السيليكونية، والبرامج العسكرية، والقيادات السياسية المجنونة على تحويله إلى امتداد لسباق النفوذ على الأرض. لقد حوّلوه إلى خطة تقنية، وبيانات استثمارية. وفي خلفية هذا التحوّل، يتبدّى أيضاً تسييس العلم وتداخل التقنية مع الخطاب الدعائي والصراعات الاقتصادية. ولم يعد الفضاء مجالاً للمعرفة بقدر ما صار جزءاً من إعادة إنتاج القوة على الأرض. وهكذا، تراجع البعد التأملي لصالح البعد الاستعراضي، وتحول العلم من نافذة على الكون إلى أداة في صراعات البشر.
قد يكون الخطر الأكبر في هذا كله هو اهتزاز العلاقة بين الإنسان والعقلانية ذاتها. فبين إنكار الحقائق العلمية من جهة، وتضخم الخطابات غير العقلانية من جهة أخرى، يبدو وكأن الحداثة التي وُلدت من الإيمان بالمعرفة تواجه اليوم اختباراً صعباً في قدرتها على الحفاظ على معناها.
مع ذلك، سيبقى القمر ساحراً، خارج خطط الوكالات أو بيانات شركات السيليكون، وسيبقى، تماماً كما قال عنه أدونيس، حنوناً: "قمرٌ - ما أحنّ القمر عندما كان يأتي ويأخذ من حوضها ماءه ويودّعها آفلاً". وسيظهر، كما قال، على شرفة العرس، وعلى ضوئه، و"إلى جانب الجِرَار المليئة بدمع الشجر، سنمضي السهرة معاً"، برفقة أقمار الشعر والأسطورة، أقمار ماركيز وشكسبير وأدونيس وأبي نواس وغيرهم من المبدعين.
