أزمة غراسيه.. النشر الفرنسي في ظل نفوذ المال والإعلام
عربي
منذ ساعة
مشاركة
تتزايد ردّات الفعل على إقالة أوليفييه نورا، أحد أبرز الناشرين الفرنسيين، من دار غراسيه، وقد ارتبط اسمه بها وبنجاحها على مدى أكثر من عقدين. وتعود هذه الدار إلى مجموعة النشر الكبرى "هاشيت للكتاب"، إحدى أكبر ثلاث مجموعات نشر في العالم. وانتقلت هذه المجموعة التي تمتلك عشرات دور النشر وتطبع سنوياً كمّاً كبيراً من الأعمال الأدبية والمدرسية والسياسية، إلى دائرة نفوذ الملياردير الفرنسي اليميني المحافظ فانسان بولوريه الذي شرع في إعادة هيكلتها وإجراء تغييرات عميقة في إدارة مؤسّساتها الثقافية، بما يتلاءم مع توجّهاته السياسية.  حيال هذا الواقع، أعلن عشرات الكتّاب قطيعتهم مع الدار، ورفضهم نشر أعمالهم المقبلة فيها، احتجاجاً على ما اعتبروه تدخّلاً سياسياً. وواكب هذه المواقف بيانٌ جماعي في صيغة رسالة مفتوحة وقّعها نحو 170 كاتباً وكاتبة وجّهوا فيها انتقاداً صريحاً إلى بولوريه، متهمين إيّاه بفرض نفوذ سلطوي داخل الثقافة والإعلام، ومعبّرين عن رفضهم أن يكونوا "رهائن في حرب أيديولوجية" وأدوات ضمن منظومة نفوذ، كما اعتبروا أنّ إقالة نورا تمثّل تهديداً مباشراً لحرية النشر. ولا تزال تتوالى يومياً مقالات وتصريحات تتناول ما بات يُعرف بـِ"ظاهرة بولوريه" وانعكاساتها على النشر والثقافة والإعلام، في سياق مخاوف متزايدة على الحياة الديمقراطية، ولا سيّما أنّه يملك إمبراطورية إعلامية وثقافية واسعة، تضمّ وسائل مؤثرة في تشكيل الرأي العام.  في المقابل، رد بولوريه على هذه الانتقادات في مقال نشره في إحدى الصحف التابعة له، منتقداً خصومه الذي وصفهم بـ"زمرة صغيرة"، ومؤكداً أن الدار ستستمر، وأن "من يرحلون يفسحون المجال أمام مؤلّفين جدد".  غير أن هذه القضية لم تبدأ هذا الشهر مع إقالة نورا، بل تعود إلى المسار الذي بدأ مع دخول بولوريه إلى قطاع النشر والإعلام بين 2021 و2022، قبل أن يترسّخ نفوذه فعلياً عام 2023 مع بدء التغيّرات البنيوية. وقد شهدت تلك المرحلة مواقف احتجاجية مبكرة، من بينها إعلان عدد من الكتّاب، مثل إريك أورسينا، عضو الأكاديمية الفرنسية، قطع صلتهم بالدار. وعبَّر أورسينا في أكثر من مناسبة، عن رفضه الخضوع لمنظومة يرى أنها تقوّض حرية التعبير، معتبراً أنّ وجوده ضمنها قد يُستخدم لتجميل صورتها. في هذا السياق، صدرت عن منشورات غاليمار رواية له بعنوان "قصّة غول". والمقصود بالغول المفترس الذي يلتهم ولا يشبع هو فانسان بولوريه نفسه، لكن من دون تسميته. في حوار مع صحيفة لوموند، قال أورسينا: "يكفي إلقاء نظرة على صناديق القمامة لنرى بقايا وجبته الغذائيّة المتواصلة: هنا، ذكرى محطة إذاعية، كانت مستقلة ذات يوم، وهناك، فتات دار نشر عريقة"، هكذا يكشف الكاتب كيف يتسلّل الغول إلى أعشاشٍ بناها الآخرون وكيف يريد أن يبتلع كلّ شيء، ويفرض سلطته المطلقة في مجالات الإعلام والنشر والتعليم، ما يهدّد التنوّع الثقافي وحرية الرأي.  تصف "قصة غول" الصادرة حديثاً، بولوريه بأنه يلتهم ولا يشبع بالنسبة إلى أورسينا، لا تأتي خطورة هذه الشخصية من تدخّلها في سياسة وسائل الإعلام ودور النشر فحسب، بل أيضاً من توظيف إمبراطوريته وقوّته في خدمة لغة الحقد والكراهية. وعن سؤال حول عدم إمكانيته بعد اليوم من إصدار كتبه في الدور التي يملكها بولوريه، قال: "حيث يكون بولوريه يتضاءل حيز الحرية ويحل محلها الابتذال والوقاحة"، وأضاف أنه لن يقبل البقاء تحت قيادة هذا الغول، وفي ظلّ مؤسساته التي ينظر إليها بوصفها عدوّاً له وللمجتمع.  ما يحدث في فرنسا اليوم يتجاوز حالة معزولة، ليكشف عن تحول أوسع تمارسه التكتلات الإعلامية الكبرى، إذ يتداخل رأس المال والثقافة، لا بهدف دعمها بقدر ما هو لإعادة توجيهها وفق منطق السوق والنفوذ. وهو ما يثير تساؤلات عميقة حول مصير النشر، ودور الثقافة في زمن تتزايد فيه سطوة المال. في موازاة هذا الواقع، نشهد الآن، من خلال التحرك الذي قام بها عدد كبير من الكتّاب، على وعيٍ متزايد لخطورة ما يحدث في مدينة كانت ذات يوم عاصمة الثقافة في العالم، ويحدث في كل مكان تسود فيه سطوة المال الذي يلتفت إلى الإبداعات الفنية والثقافية من خلال التركيز على قيمتها الشرائية فحسب، وتوظيفها في قضايا لا تعنيها أن يكون النشر فضاءً للحرية الفكرية والإبداعية. وهذا ما يدفع إلى طرح السؤال حول مصير الكتاب والثقافة في عصرنا الراهن، وما الذي يبقى من استقلالية النشر في مواجهة سلطة المال والإعلام.  هذا الواقع لا ينحصر في فرنسا وحدها، بل يطاول الغرب بصورة عامّة، ولا سيما الولايات المتحدة الأميركية. في مقابلة مع صحيفة لوموند الفرنسية، قالت الباحثة الأميركية دونّا هاراواي، التي تُعدّ من أبرز الأصوات في دراسات العلم والتكنولوجيا، إنّ المعرفة العلمية لا تُكتشف ولا تُخترع، بل تُبنى. وتلاحظ هذه الباحثة أنّ ثمة هجمات ضدّ العلم تشنّها حالياً تيارات يمينية أميركية، وخصوصاً الشعبوية منها. وتشكّك هذه التيارات في عدد من المسلّمات ومنها تغيّر المناخ، واللقاحات، وبعض المؤسّسات العلمية.  انتقد الملياردير اليميني بولوريه خصومه ووصفهم بـ"زمرة صغيرة"  ولا تقف هذه التحولات عند حدود النشر والإعلام، بل تمتدّ إلى فضاءات المعرفة نفسها، إذ لم تعد الجامعات بمنأى عن موجة متصاعدة من الانتقادات والتدخّلات، كما يظهر في حالات جامعات مرموقة، من بينها جامعة هارفارد، التي وجدت نفسها في قلب سجالات سياسية وإعلامية حادّة. وهو ما يعكس تحولاً أعمق في العلاقة بين المعرفة والسلطة، إذ لم يعد الإنتاج الفكري والعلمي منفصلاً عن دوائر النفوذ والتجاذب الأيديولوجي. ولذلك يحذر الكثير من المفكرين من تسييس العلم وتقويض الثقة العامة بالمعرفة العلمية، ويطالبون بضرورة نزع الطابع السياسي والعسكري عن المعرفة، وهي حاجة ملحّة أكثر من أي وقت مضى. تكشف قضية "غراسيه" عن تحوّل عميق في بنية الحقل الثقافي، إذ لم يعد الصراع محصوراً في إدارة دار نشر، بل امتدّ إلى العلاقة بين الثقافة والسلطة ورأس المال.  

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية