عربي
قبل الخوض في مفهوم "عقدة كاسندرا"، لا بد من التوقف عند معنى العقدة النفسية في علم النفس. فالعقدة، وفق كثير من التعريفات، هي نتاج تراكم صراعات داخلية وتجارب ضاغطة، ترتبط غالباً بموقف أو حادثة أو علاقة محددة، وقد تكون واعية أو كامنة لا يدركها صاحبها بسهولة. وبين عشرات العقد النفسية المعروفة، تبدو "عقدة كاسندرا" حالة مختلفة؛ إذ لا تعبّر عن ضعف بقدر ما تجسّد مأساة: أن ترى الخطر بوضوح، لكن يعجز الآخرون عن تصديقك.
تعود التسمية إلى الأسطورة الإغريقية الشهيرة. كانت كاسندرا ابنة بريام ملك طروادة، وقد منحها الإله أبولو قدرة التنبؤ بالمستقبل. لكنها، بعدما رفضت التقرب منه، لُعنت بأن تبقى موهبتها قائمة من دون أن يصدقها أحد. رأت سقوط طروادة قبل وقوعه، وحذّرت من إدخال الحصان الخشبي، لكن صوتها ضاع بين السخرية والتجاهل، فكانت النهاية المأساوية المعروفة.
من هنا، استعار علم النفس هذا الرمز لوصف حالة الشخص الذي يدرك الأخطار المقبلة ويحاول التحذير منها، لكنه يُواجَه بالإنكار أو السخرية أو الاتهام بالمبالغة.
مناخ ينهار… والعالم يؤجّل التصديق
في عالمنا المعاصر، تبدو أزمة المناخ المثال الأوضح على "كاسندرا" الحديثة. فمنذ عقود، يحذّر علماء البيئة من أن استمرار النهج الصناعي سيقود إلى اختلالات خطيرة: ارتفاع درجات الحرارة، ذوبان الجليد، فيضانات، وموجات جفاف وحرائق. ورغم الأدلة العلمية المتراكمة، ظل الخطاب السياسي في كثير من الدول يتعامل مع هذه التحذيرات بوصفها تهويلاً أو أجندة خفية. لكن حين تقع الكوارث، يتكرر السؤال ذاته: لماذا لم يُنبهنا أحد؟
ربما لم تعد مشكلة عصرنا نقص المعلومات، بل ضعف التأثير. نحن نعيش زمناً يعرف فيه كثيرون المخاطر المقبلة، لكن الإرادة الجماعية تبدو عاجزة عن التحرك
الذكاء الاصطناعي… تحذيرات تضيع وسط الأرباح
المشهد ذاته يتكرر في قطاع التكنولوجيا. فقد حذّر خبراء بارزون من مخاطر فقدان السيطرة على أنظمة الذكاء الاصطناعي، ومن استخداماته غير المنضبطة التي قد تهدد سوق العمل والخصوصية، وربما الأمن البشري مستقبلاً. بعض هؤلاء غادروا شركات كبرى احتجاجاً، لكن أصواتهم غالباً ما قُدّمت للرأي العام باعتبارها تشاؤماً أو مقاومة للتقدم. وهنا تتجسد كاسندرا مجدداً: من يفهم العمق التقني يرى ما لا يراه الآخرون، لكن صوته يضيع وسط بريق الأرباح وتسارع المنافسة.
الاقتصاد أيضاً لا يسمع نُذُره
قبل الأزمة المالية العالمية عام 2008، حذّر عدد محدود من الاقتصاديين من انفجار فقاعة الرهن العقاري وهشاشة النظام المالي العالمي. لكن هذه التحذيرات وُوجهت بالتهميش، واعتُبرت تشاؤماً غير مبرر. وحين انهارت الأسواق وفقد الملايين وظائفهم ومدخراتهم، بدا أن التصديق جاء متأخراً، بعدما فقدت المعرفة قدرتها على الإنقاذ.
الأوبئة… من التحذير إلى نظرية مؤامرة
خلال السنوات التي سبقت جائحة كورونا، تحدث مختصون في علم الأوبئة عن احتمال ظهور فيروس تنفسي عالمي قد يشل حركة العالم. لكن تلك التحذيرات بدت لكثيرين أقرب إلى الخيال العلمي. ثم وقع ما وقع، والمفارقة أن بعض من أطلقوا الإنذارات المبكرة لم يتحولوا إلى أصوات يُصغى إليها، بل إلى أهداف للتشكيك والاتهام. هنا تبلغ مأساة كاسندرا ذروتها: لا يُكتفى بعدم تصديقها، بل تُدان أيضاً.
في المجتمع… نصائح بلا آذان
لا تقتصر الظاهرة على السياسة والاقتصاد والعلم، بل تمتد إلى الحياة اليومية. فكم من أصوات نادت بضرورة التأهيل الاقتصادي والنفسي للزواج، أو بأهمية تنظيم الأسرة والتثقيف الصحي، لكن المجتمع كثيراً ما يفضّل الخطاب الشعبوي على النصيحة الرشيدة. والنتيجة تتكرر في صور متعددة: أزمات أسرية، طلاق، إنهاك اقتصادي، وأطفال يدفعون ثمن قرارات اتُّخذت دون وعي كافٍ.
لماذا لا نصدّق الحقيقة؟
السؤال معقد، لكن جزءاً من الإجابة يرتبط بالطبيعة البشرية. فالإنسان يميل إلى إنكار ما يهدد منطقة راحته، ويرفض ما يفرض عليه تغيير نمط حياته أو مراجعة قناعاته. الحقيقة غالباً مرهقة لأنها تستدعي مسؤولية، بينما الوهم أكثر راحة. من الأسهل الاستمرار في العادة وتأجيل المواجهة، بدل التعامل مع إنذار يتطلب جهداً وتغييراً.
قد يكون وصف "مأساة كاسندرا" أدق من "عقدة كاسندرا". فالقضية ليست اضطراباً نفسياً بقدر ما هي خلل حضاري في علاقتنا بالحقيقة
مأساة عصرٍ يعرف… ولا يتحرّك
ربما لم تعد مشكلة عصرنا نقص المعلومات، بل ضعف التأثير. نحن نعيش زمناً يعرف فيه كثيرون المخاطر المقبلة، لكن الإرادة الجماعية تبدو عاجزة عن التحرك. تتبلّد الأحاسيس، ويُعاد تفسير التحذيرات بوصفها مبالغة أو مؤامرة أو تشاؤماً.
لذلك، قد يكون وصف "مأساة كاسندرا" أدق من "عقدة كاسندرا". فالقضية ليست اضطراباً نفسياً بقدر ما هي خلل حضاري في علاقتنا بالحقيقة.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل نتجاهل كاسندرا لأن الحقيقة أثقل من أن تُحتمل؟ أم إن المأساة تكمن أيضاً في عجزها عن إيصال رسالتها بلغة يفهمها الناس؟
أخبار ذات صلة.
عون يتهم «حزب الله» بـ«الخيانة»
الشرق الأوسط
منذ 10 دقائق
اتهام «مسلح واشنطن» بمحاولة اغتيال ترمب
الشرق الأوسط
منذ 14 دقيقة
هدوء في مالي... واختفاء مريب للرئيس
الشرق الأوسط
منذ 18 دقيقة
آليات لتسهيل التجارة بين الأردن وسورية
العربي الجديد
منذ 20 دقيقة