هل يُعقل أن قيادات الأحزاب السياسية اليمنية، وبعد كل هذه التضحيات والسنوات العجاف، لا تزال عاجزة عن ضبط بوصلتها الإعلامية بما يخدم المصلحة الوطنية العليا؟ أم أننا أمام أزمة أعمق من مجرد خلافات على السلطة، أزمة تعكس اختلالًا بنيويًا في الوعي السياسي والممارسة الحزبية معًا؟
ما نشهده اليوم من تراشق إعلامي فجّ بين إعلاميين وقيادات ونشطاء ينتمون، نظريًا، إلى خندق واحد هو خندق الجمهورية والثورة، لا يمكن اختزاله في إطار "الخلاف السياسي الطبيعي" بل هو مؤشر مقلق على تآكل الانضباط المؤسسي، وتراجع الإحساس بالمسؤولية الوطنية، وتغليب الحسابات الضيقة على حساب المشروع الجامع.
المشكلة لا تكمن في وجود الخلاف، فالخلاف في حد ذاته ظاهرة صحية في أي نظام تعددي، بل في طريقة إدارة هذا الخلاف، حين يتحول الاختلاف إلى حالة من التشهير والتخوين، وحين يفقد الخطاب السياسي توازنه وأخلاقياته، فإننا لا نكون أمام تعددية، بل أمام فوضى تهدد فكرة الدولة من أساسها.
ومن المؤسف أن تعجز قيادات هذه الأحزاب عن ترجمة رؤاها المعلنة إلى سلوك منضبط لدى قواعدها وكأن الخطاب السياسي يظل حبيس البيانات والشعارات، بينما تمضي الممارسة الواقعية في اتجاه مناقض تمامًا، الأمر الذي يخلق فجوة خطيرة بين القول والفعل، ويقوّض ثقة الشارع بالقوى السياسية برمتها.
اليوم، لم تعُد المسألة تحتمل المعالجات الشكلية أو البيانات المهدئة، نحن أمام لحظة مفصلية تختبر صدقية الجميع، فاستمرار هذا التناحر الإعلامي غير المسؤول، وعجز القيادات عن احتوائه، لا يعني فقط إضعاف الأحزاب، بل يفتح الباب واسعًا أمام تقويض التعددية السياسية ذاتها.
وحين تسقط التعددية، لا تسقط كخيار سياسي فحسب، بل تسقط معها فكرة الجمهورية، وتُفرَّغ الثورة من مضمونها، ويتبدد الحلم بدولة قائمة على العدالة والمواطنة المتساوية وسيادة القانون.
فالتعددية السياسية ليست ترفًا يمكن الاستغناء عنه، ولا شعارًا يُرفع عند الحاجة، بل هي صمّام الأمان لبقاء الدولة، والإطار الذي ينظم الاختلاف ويحوّله إلى قوة بناء لا أداة هدم، إنها الضمانة الوحيدة لعدم الانزلاق نحو التشظي، أو العودة إلى منطق الجماعات المتناحرة والولاءات الضيقة.
إن أي مساس بهذه التعددية، سواء عبر الخطاب التحريضي أو الممارسات غير المسؤولة، هو في جوهره مساس مباشر بروح ثورتي سبتمبر وأكتوبر، وبالأسس التي قامت عليها فكرة اليمن الجمهوري الجامع.
لقد ضاق الوقت، ولم يعد يسمح بمزيد من التراخي أو المجاملات السياسية، المسؤولية اليوم تاريخية بكل ما تعنيه الكلمة، وتقع أولًا وأخيرًا على عاتق قيادات الأحزاب، فإما أن ترتقي إلى مستوى هذه اللحظة، وتعيد ضبط إيقاع خطابها الإعلامي، وتوحّد بوصلة العمل السياسي نحو المصلحة الوطنية العليا، وإما أن تجد نفسها بقصد أو بغير قصد شريكًا في تقويض ما تبقى من مشروع الدولة، ووأد أحلام اليمنيين في بناء دولة حديثة عادلة تتسع للجميع.
أخبار ذات صلة.