الانتخابات الجزائرية: عين الأحزاب على المقاعد والقوائم
عربي
منذ ساعة
مشاركة
عين الأحزاب الجزائرية على مقاعد في البرلمان، وعين السلطة على مؤشر التصويت. مبكراً تتباين الطموحات السياسية في الجزائر إزاء الانتخابات النيابية التي بدأت أولى ترتيباتها منذ إعلان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في الثاني من إبريل/ نيسان الحالي، استدعاء الهيئة الناخبة في الثاني من يوليو/ تموز المقبل، موعد إجراء سابع انتخابات نيابية في تاريخ البلاد منذ إقرار التعددية السياسية عام 1989. كذلك فإن الانتخابات الجزائرية المقبلة هي الثانية بعد الحراك الشعبي الصاخب عام 2019، في ظلّ قانون انتخابي جديد أعاد وزارة الداخلية إلى تنظيم الانتخابات، فيما تتميز بعودة أحزاب المعارضة التي قاطعت انتخابات 2021 إلى المنافسة على مقاعد البرلمان، وتراجع رهان السلطة على المستقلين مقارنة بالاستحقاقات السابقة. بمقص ومشهد بروتوكولي رمزي، قصّ رئيس "حركة مجتمع السلم" (أكبر الأحزاب الإسلامية المعارضة)، عبد العالي حساني، يوم الخميس الماضي، الشريط الأحمر لغرفة العمليات الانتخابية. داخل القاعة يعمل فريق من كوادر الحزب على متابعة كامل الاستعدادات الفنية واللوجستية للحزب للانتخابات المقبلة في كل الولايات. في الغالب تحرص الأحزاب البارزة في الجزائر على إضفاء طابع بروتوكولي لإعلان جاهزيتها للاستحقاق الانتخابي، غير أن التجمع الوطني الديمقراطي، ثاني أبرز الأحزاب الموالية للسلطة (بعد حزب جبهة التحرير الوطني)، غيّر هذه المرة تكتيكه الانتخابي، واختار نسقاً من اللقاءات الحوارية في الشارع، حيث يقود أمينه العام منذر بودن ماراتوناً من اللقاءات مع الشباب في الشارع والمقاهي والفضاءات العامة. يأتي ذلك بعد حملة انفتاح كبيرة نجح خلالها هذا الحزب في استقطاب نخب محلية وبعض الكوادر السياسية المستقلة التي كانت محسوبة على الحراك الشعبي. نجحت "حركة مجتمع السلم" في استقطاب نخب محلية وبعض الكوادر السياسية المستقلة التي كانت محسوبة على الحراك الشعبي لا تُخفى خلال هذه اللقاءات نبرة الاستياء والإحباط الاجتماعي في كلام الشباب بشأن الانتخابات الجزائرية. خلال جولة سياسية في قلب الجزائر العاصمة، صدم أحد الشبان الأمين العام لـ"التجمع الوطني" عندما حاول إقناعه بأهمية الاستحقاق الانتخابي، قائلاً إن "لا شيء يتغير، كل القيادات السياسية تردد الوعود والخطابات ذاتها، من دون أن يلمس الشباب جدوى فعلية في الواقع". دخول سباق الانتخابات الجزائرية بسبب مثل هذه القناعات والأفكار، تجد كثير من القوائم المستقلة من الأحزاب السياسية المعنية بجمع التوقيعات، تلك التي لم تحصل على العتبة الانتخابية (4% من الأصوات في الانتخابات السابقة في 2021)، صعوبة في جمع العدد المطلوب للترشح، بمعدل 150 توقيعاً عن كل مقعد في الولاية، وتسارع الزمن قبل انتهاء الآجال المقررة لتقديم الترشيحات في 26 مايو/ أيار المقبل. قبل أيام، ابتكر حزب العمال اليساري أسلوباً جريئاً لجمع التوقيعات المطلوبة. ظهر القيادي في الحزب رمضان تعزبيت وعدد من كوادر الحزب في أحياء العاصمة، وسط حملة شعبية لتوزيع استمارات الاكتتاب الانتخابي، وحث المواطنين على التوقيع لصالح قوائم الحزب. يكشف ذلك في الوقت نفسه إلى أي حد تواجه القوى السياسية مصاعب في إقناع الناخبين، بعد ما يقارب الشهر من استدعاء الهيئة الانتخابية، وقبل أسبوعين من موعد إغلاق باب تقديم قوائم المرشحين في 15 مايو المقبل. من سوء حظ الأحزاب أن الظرف تزامن مع ارتفاع قياسي في أسعار الخضروات، ما أضعف التفاعل الشعبي مع الحالة الانتخابية. رغم ذلك، تدب حركة حثيثة على غير العادة في المقر المركزي لجبهة القوى الاشتراكية في أعالي العاصمة (مرتفعات شمالي الجزائر في منطقة الأبيار). لقد استعاد هذا المقر، وهو عبارة عن فيلا صغيرة، المناخات الانتخابية، بعدما كان الحزب قد قاطع انتخابات يونيو/ حزيران 2021. يريد الحزب مغادرة سياسة "الكرسي الشاغر"، فيما عادت أحزاب أخرى إلى المشاركة في الانتخابات الجزائرية المقبلة، مثل "التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية"، ما يؤشر إلى إمكانية أن تشهد بعض الولايات التي تمثل معاقل لهذه الأحزاب، كالعاصمة ووهران، غربي البلاد، وغرداية في وسط الجزائر، ومنطقة القبائل، منافسة كبيرة. لعل ذلك ما يجعل الانتخابات الجزائرية المقبلة توصف بأنها الأكثر صعوبة من جوانب عدة، سياسية وإجرائية، إذ تُجرى في ظل قانون انتخابي جديد، أعاد لوزارة الداخلية حزمة من الصلاحيات تخص الجوانب المادية واللوجستية والإنفاق المادي وإدارة مكاتب التصويت، بينما احتفظت السلطة المستقلة للانتخابات بصلاحيات الإشراف الرقابي. وقد تقرر ذلك عقب الارتباك الكبير لهذه الهيئة في الانتخابات الرئاسية الماضية، في سبتمبر/ أيلول 2024. وصادق البرلمان، في الثاني من إبريل الحالي، على نص القانون المعدل والمتمم المتعلق بنظام الانتخابات (تعديل على قانون 2021)، الذي فصل بين صلاحيات سلطة الانتخابات التنظيمية والرقابية، وبين توفير الوسائل المادية واللوجستية اللازمة للعمليات الانتخابية، والتي أعيد إسنادها للإدارة العمومية، ممثلة في وزارة الداخلية، والتي تعود إلى التدخل في العملية الانتخابية للمرة الأولى منذ استبعادها خلال الاستحقاقات الانتخابية الخمسة التي جرت منذ عام 2019. وبررت الحكومة سحب صلاحية توفير الوسائل المادية من سلطة الانتخابات برفع "العبء" الإداري عنها، باعتبارها سلطة رقابية بموجب الدستور، حتى تتفرغ لمهمتها الأساسية المتمثلة في ضمان نزاهة الانتخابات. ومن أبرز ما تضمنه القانون الجديد بعض التسهيلات التي تخص الترشح، كخفض عدد التوقيعات المطلوبة للترشح إلى 150 توقيعاً لكل مقعد داخل الوطن بدل 250، فيما قلّص نسبة التمثيل الإلزامي للمرأة في القوائم المرشحة إلى الثلث بدلاً من النصف. انتخابات مختلفة استلم لخضر مقران قيادة حزب "جيل جديد" المعارض قبل وقت وجيز (ديسمبر/ كانون الأول 2025 خلفاً لسفيان جيلالي)، وهو يطمح لأن يقوده إلى تحقيق منجز في الانتخابات الجزائرية المقبلة. وفي رد على سؤال حول المتغيرات في هذه الانتخابات مقارنة بسابقتها، اعتبر مقران في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "الاختلاف لا يتعلق فقط ببعض الجوانب التقنية، بل بالسياق السياسي والقانوني الذي تُجرى فيه في الأساس". وأضاف "إننا أمام تعديلات سريعة مسّت قانون الانتخابات وقانون الأحزاب وما سُمّي بالتعديل التقني للدستور، من دون مشاورات واسعة مع الفاعلين السياسيين والمجتمع المدني". لخضر مقران: من دون انفتاح سياسي حقيقي وحوار وطني شامل يبقى تأثير التعديلات على قانون الانتخابات محدوداً هذه التغييرات، وفق مقران، قد تبدو تنظيمية "لكنها في الواقع تؤثر على قواعد التنافس وتكافؤ الفرص، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى قدرتها على تعزيز الثقة في العملية الانتخابية"، موضحاً أن "القانون الانتخابي ليس مجرد آلية تقنية، بل عنصر حاسم في تحديد من يشارك وكيف تُحتسب النتائج". وفي رأيه، إنه "باختصار، من دون انفتاح سياسي حقيقي وحوار وطني شامل، يبقى تأثير هذه التعديلات محدوداً، وقد يؤدي إلى إعادة إنتاج الاختلالات نفسها التي ميزت الاستحقاقات السابقة". بخلاف الانتخابات الجزائرية الماضية عام 2021، تراجع رهان السلطة على القوائم المستقلة هذه المرة، خصوصاً بسبب ضعف التكوين السياسي للمستقلين الوافدين من خارج الوعاء (التنظيم) الحزبي، وعادت للتركيز على الأحزاب، خصوصاً الموالية. قبيل الإعلان عن استدعاء الهيئة الناخبة في الثاني من إبريل الحالي، كانت الساحة السياسية قد شهدت عبوراً حزبياً لعشرات النواب في البرلمان والمنتخبين في المجالس البلدية والولائية (في الولايات)، نحو أحزاب الموالاة، بعد بروز مؤشرات تقدمها في الانتخابات الجزائرية المقبلة، على أمل الترشح في صفوفها، خصوصاً "التجمع الوطني الديمقراطي" و"جبهة المستقبل". وتضررت بسبب ذلك بعض الأحزاب التي شهدت نزيفاً، كجبهة التحرير الوطني وحركة البناء الوطني، لكن السلطة المستقلة أصدرت قراراً صادماً بإعلانها أن كل هؤلاء العابرين حزبياً غير مسموح لهم بالترشح في أحزابهم الجديدة، وأنه يتعين عليهم الترشح فقط في أحزابهم الأصلية التي انتخبوا فيها في 2021. وبذلك بات هؤلاء عالقين سياسياً، ما فسرته بعض القراءات بوجود تباين لدى مستويات سياسية عليا إزاء المسار المتوقع للانتخابات المقبلة. معضلة العزوف وبينما تنشغل الأحزاب البارزة في البلاد، جبهة التحرير الوطني، وحركة مجتمع السلم، والتجمع الوطني الديمقراطي (تقدمي)، وحركة البناء الوطني (إسلامي)، وجبهة المستقبل (وسط)، في الوقت الحالي، بترتيب المرشحين والقوائم التي ستنافس بها في الولايات الـ69 (395 مقعداً)، وفي الجالية (12 مقعداً، أي في الخارج)، يبقى التحدي الأبرز بالنسبة لمجموع الأحزاب والسلطة هو إقناع الناخبين بالذهاب إلى مراكز الاقتراع. أحمد صادوق: إقناع الناخبين مرتبط أيضاً بفتح فضاءات النقاش العام والحر تواجه الجزائر خلال الاستحقاقات في العقدين الماضيين معضلة العزوف الانتخابي، إذ كانت نسبة التصويت في انتخابات يونيو 2021 الأضعف، بنسبة 30%، مقارنة مع كل الاستحقاقات التي جرت منذ عام 2002. وإذا كانت تلك النسبة الضعيفة قد فسرت بتزامن الانتخابات مع الموقف الراديكالي لجزء من الحراك الشعبي الذي كان رافضاً للمسار الانتخابي، فإن نسبة التصويت في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، في سبتمبر/ أيلول 2024، والتي بلغت 46%، برغم كثير من المنجزات التي حققها تبون، تؤكد استمرار معضلة العزوف الانتخابي بما لها من تأثيرات على النتائج.  بسبب هواجس وضغوط كهذه في مثل هذه الاستحقاقات، يفقد قادة الأحزاب السياسية الإحساس بالزمن. وأقر نائب رئيس حركة مجتمع السلم أحمد صادوق بأن الانتخابات الجزائرية المقبلة تعد الأكثر صعوبة مقارنة مع الاستحقاقات السابقة، وقال لـ"العربي الجديد" إن "الانتخابات المقبلة ذات خصوصية، فمن المتوقع أن تشهد منافسة كبيرة على مقاعد البرلمان، ونحن بصدد خريطة سياسية وانتخابية جديدة"، معتبراً أنه "من الصعب توقع المآلات". لكن من المهم، وفق صادوق، أن "تلعب الأحزاب السياسية دورها في تعبئة الناخبين وإقناعهم بالتصويت، لأن هذا التحدي أساسي ويعني الأحزاب كما يعني السلطة أيضاً"، وشدد على أنهم في الحركة يعتبرون أن "إقناع الناخبين مرتبط أيضاً بفتح فضاءات النقاش العام والحر، والسماح للتنافس السياسي الشفاف بالبرامج بين القوى السياسية، لأننا نرى أن الانتخابات فرصة مهمة لمناقشة القضايا التي تهم الشأن العام، واقتراح الحلول والتصورات لحل مختلف المشكلات القائمة".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية