خواطر عن الشِّعر
عربي
منذ ساعة
مشاركة
الشِّعر ديوان العرب، هكذا قال ابن عباس رضي الله عنهما، وقيل إن القائل هو الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقيل أبو فراس الحمداني. لا يهم من القائل، بل المهم المقولة نفسها. العرب ديوانهم الشعر؛ ففيه كل وقائعهم وأيامهم وجولاتهم وانكساراتهم وانتصاراتهم وأفراحهم وأتراحهم وفخرهم… إلخ. باختصار: كل حياتهم الثقافية والاجتماعية والسياسية مدوّنة في هذا الديوان الخالد. فمن أراد أن يتعرّف على حياة العرب من كل جوانبها، فعليه بديوانهم. سيبقى الشعر ما بقي هناك عرب ولغة إلى ما شاء الله. ولا يهم قوالب الشعر التي تتبدل، سواء العمودي أو التفعيلة أو قصيدة النثر (مع تناقض اسم هذه الأخيرة!). المهم أن يبقى الشعر كما هو متعارف عليه أنه الشعر. لكن ما هو الشعر؟ هو واحد من التعريفات الصعبة. الأقدمون عرّفوه بأنه الكلام الموزون المقفّى، ثم جاءت القصيدة بعد المقطوعة لتضيف بُعداً آخر هو القصدية في القول، فليس أي كلام موزون مقفّى شعراً ما لم يكن مقصوداً به الشعر، وإلا ففي حديثنا اليومي موافقات لوزن الشعر المتعارف عليه. يقول نزار قباني: ما هو الشعرُ؟ لن تُلاقي مُجيباً / هو بين الجنونِ وبين الهذيانِ. مرة أخرى، التعريفات لن تحدد الشيء إلا بقدر وجهة نظر المعرِّف له. هو الشعر وكفى! ولو درنا مع كل الشعوب والحضارات التي عاشت على هذه الأرض، لوجدنا أن لها شعراً وشعراء، فلا تخلو أمة من ذلك. أحب الشعر، بالذات العربي، لأنه يأتي من داخل الروح، معبّراً عن مضامينها. أنا أتحدث عن الشعر الحقيقي، فلا دخل لي بما (يشخبطه) المتأخرون في دواوينهم ويسمونه شعراً، بل الشعر كما تعرفه سليقة العربي السليمة. يبقى الشعر ما بقي هناك عرب ولغة إلى ما شاء الله. ولا يهم قوالب الشعر التي تتبدل، سواء العمودي أو التفعيلة أو قصيدة النثر يطربني كل أنواع الشعر، أكان فصيحاً أم شعبياً، بمعانيه وصوره وترنّم موسيقاه. وأستغرب من شعر بلا موسيقى، ولو تحذلق المتأخرون من المنظّرين الذين يتحدثون عن الموسيقى الداخلية بديلاً عن وزن الشعر، والحديث الملتوي عن الإيقاع وما إلى ذلك. عندي لا شعر إلا بوزن وموسيقى، سواء كانت تلك الموسيقى نابعة من البحور الخليلية أو التفعيلة، المهم هناك ترنّم. يقول الأديب السوري محمود عمر خيتي: "تقف القصيدة على قدمَي الموسيقى والخيال، فإذا نفينا الموسيقى فذلكم النثر، وإذا نفينا الخيال فهو النظم… أمّا ما يُسمّى قصيدة النثر فإنما هو نثر أدبي… وليس فيه من الموسيقى إلا موسيقى اللفظ العربي". وعودة إلى الترنّم في القصيدة التي يجب ألا تكون خالية من الفكر والصور والأخيلة… وإلا بماذا سأترنّم؟ بخواء! وأستغرب من شاعر لا يطّلع على ثقافة عصره من أدب وفن وعلوم وسياسة وفكر… إلخ. مثل هذا سيكون مجرد ناظم أوزان بقوافٍ مجترة من تراث العصور القديمة. لمَن يكتب الشاعر؟ لأن الشعر حوار بين الشاعر (صانع القصيدة) والمتلقي (جمهور القصيدة)، وهما حلقتان تصنعان دائرة يجب أن تُغلق لكي يسري التيار ويضيء المصباح؛ فلا أحد يكتب شعراً لنفسه، كما يقول البعض. لا بد من متلقٍّ حتى لا يصبح الشعر صوتاً بلا صدى. أكره التقليد، إذ يجب أن يكون الشاعر نسيج وحده ليضع بصمته. قد يبدأ متأثراً بالكبار، لكن عليه أن يتجاوز هذا التأثر ليجد صوته الخاص، وإلا ظل صدى الآخرين. كل شعر هو ابن عصره، وليس صدى عصور خلت. لا يعجبني من يكتب شعراً عمودياً تقليدياً وكأنك تسمع المتنبي أو جرير، فإما أن أذهب للمصدر مباشرة. وكذلك من يفرط في التفعيلة أو قصيدة النثر دون إضافة حقيقية، التي وصفها أحمد عبد المعطي حجازي بـ"القصيدة الخرساء". الشاعر الحقيقي هو من يجيد الكتابة في أي قالب كان (عمودي/تفعيلة/نثر)، حتى إن كان يفضّل أحدها، لكنه لا يعجز عن غيره. وهنا يبرز السؤال: هل يختار الشاعر القالب قبل الكتابة؟ المفترض لا، لأن الكتابة عملية تنبع من اللاوعي. حتى القوالب تطورت؛ فالعمودي لم يعد عمود امرئ القيس الجامد، بل مرّ بأطوار عديدة: من الجاهلي إلى الإسلامي والأموي والعباسي، وظهرت البحور الجديدة والموشحات، وصولاً إلى المحدثين مثل نزار قباني وعبد الله البردوني وغيرهما، الذين وسّعوا أفق العمود الحديث. ويمكن قياس ذلك أيضاً على التفعيلة: هل تفعيلة محمود درويش تشبه السياب؟ وماذا عن أدونيس والمقالح؟ أخيراً، على الشاعر أن يقرأ تاريخ الأدب العربي، خصوصاً الشعر، ليعرف جذور هذا الفن. ولا أحبّذ الإفراط في النقد حتى لا يصبح أسيراً له، بل يكون حرّاً في كتابته. أظن الحديث عن الشعر لا ينتهي، ولن ينتهي، ولذا قد نستكمله في مقالات مقبلة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية