عربي
كشفت الحرب على إيران عن ثغرات اقتصادية لدى دول مجلس التعاون الخليجي، بعدما أظهرت الصدمات الأمنية والتجارية عن مشاكل هيكلية لنموذج جرى بناؤه خلال العقد الماضي على سردية تقوم على الجمع بين الثقل النفطي والانفتاح الاستثماري والخدمات اللوجستية والسياحة؛ لكن الحرب وضعت هذه الركائز كلها تحت الضغط، حسب تقديرات تذهب إلى أنّ الضرر الحالي لا يهدّد فقط معدلات النمو في عام 2026، بل يفرض تباطؤاً في وتيرة الإصلاحات الاقتصادية الخليجية.
فالأولويات انتقلت من التوسع والاستثمار إلى الحماية والاحتواء، بعدما ضربت أزمة الممرات البحرية وكلفة التأمين ثقة المستثمرين وسرعة تنفيذ المشاريع، وأظهرت أنّ امتلاك الاحتياطيات والقدرة الإنتاجية لا يساويان امتلاك أمن طاقي كامل، وأن نقطة الضعف الحقيقية تبقى في قابلية التصدير واستمرارية التدفق عبر مضيق هرمز، حسب تقدير نشرته مؤسسة كارنيغي البحثية.
تأمين الطاقة بعد هرمز
حذرت مؤسسات متخصّصة في المخاطر الائتمانية والطاقة من أن استمرار التعطل في مضيق هرمز من شأنه أن يقيد الوصول إلى نحو خُمس إمدادات النفط الخام والغاز الطبيعي المُسال عالمياً، مع تعرض الشركات الخليجية العاملة في السلسلة النفطية والبتروكيماوية لانكشافات متفاوتة، تبدو أشد لدى دول الخليج التي تعتمد على مضيق هرمز أكثر من اعتمادها على مسارات بديلة، حسب ما أورد تقرير نشرته وكالة ستاندرد آند بورز. ويعني هذا أن التأمين الطاقي الخليجي ما زال جزئياً؛ فهو قوي من حيث الموارد لكنه ضعيف من حيث مرونة التصدير والحماية اللوجستية، حسب التقرير ذاته، لافتاً إلى أن تأثير ذلك يمتد إلى ملف الغذاء، إذ جاءت الحرب لتؤكد أن دول الخليج لا تملك غطاءً كافياً إذا طال أمد الاضطراب، حتى مع تحسن إدارة المخزونات مقارنة بالسنوات الماضية.
فالاعتماد المرتفع على الواردات، مقروناً بمرور نسبة كبيرة من الغذاء والأعلاف والمدخلات الزراعية عبر ممرات بحرية مهددة، جعل الأمن الغذائي عرضة لتقلبات النقل والتأمين والطاقة والأسمدة في آن واحد، حسب تقرير نشره المعهد الدولي لبحوث السياسات الزراعية (IFPRI)، لافتاً إلى أن المخاطر لا تتعلق بوصول السلع النهائية فحسب، بل كذلك بارتفاع أسعار الوقود والأسمدة، وهو ما يضغط على سلاسل الغذاء محلياً وعالمياً، ويجعل الصمود الخليجي الحالي أقرب إلى القدرة على امتصاص الصدمة القصيرة لا إلى اكتفاء استراتيجي طويل المدى.
ومن زاوية الاقتصاد الكلي، تبدو دروس الحرب أكثر تكشفاً؛ فهي لا ترفع أسعار الطاقة فحسب، بل تخفض النمو وتزيد التضخم وتوسع كلفة التمويل، ما يضغط على الاقتصادات الخليجية حتى لو استمرت الفوائض المالية، وهو ما حذر منه تقرير صندوق النقد الدولي الذي صدر هذا الشهر، مشيراً إلى أن استمرار أمد الصراع يدفع الاقتصاد العالمي كله نحو نمو أبطأ وأسعار أعلى، وهو ما ينعكس خليجياً في صورة بيئة استثمارية أكثر حذراً وكلفة أكبر للمشروعات وهوامش أضيق أمام الحكومات التي تريد الاستمرار في الإنفاق التنموي بلا إخلال بالتوازنات المالية.
وهنا يظهر أن الصناديق السيادية توفر وسادة مهمة، لكنها لا تلغي أثر الحرب على قرارات المستثمرين ولا على تسعير المخاطر في المنطقة، حسب ما أورد تقرير نشرته "أوكسفورد إيكونوميكس"، مشيراً إلى أنّ الدرس الأبرز لمستقبل اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي يتمثل في أن المرونة يجب أن تُبنى على تنويع "المسارات" وليس على تنويع "القطاعات" فحسب.
فالمطلوب لم يعد مجرد توسيع مساهمة السياحة والصناعة والتكنولوجيا، بل بناء بنية اقتصادية تستطيع العمل تحت الضغط، وتتمثل في: موانئ بديلة، وجسور برية فعالة، وتخزين أوسع للغذاء والوقود، واستثمارات أكبر في الزراعة المحمية والمياه والطاقة المتجددة، وحماية أشد للبنية التحتية الحيوية، بحسب التقرير ذاته.
ثغرات استراتيجية عميقة
في هذا الإطار، قال الخبير الاقتصادي حسام عايش، لـ"العربي الجديد"، أن الحرب كشفت "ثغرات استراتيجية عميقة" في البنى الاقتصادية لدول الخليج، ولا سيّما على صعيد الأمن اللوجستي والغذائي والطاقي، إذ أظهرت الأزمة هشاشة الاعتماد الكلي على الممرات البحرية التقليدية، مثل مضيق هرمز، وضعف الاستعداد لمسارات الإمداد البرية البديلة مع دول المشرق العربي.
ويرى عايش أن الدول الخليجية باتت أمام ضرورة إعادة تعريف دورها الاقتصادي والأمني، واكتشاف قدراتها الحقيقية التي تتجاوز كونها مجرد مصدرة للطاقة، لتشمل تأثيراً واسعاً على الأسواق العالمية من خلال الأسهم والسندات والتضخم والخدمات اللوجستية. وتبرز الحاجة الملحة، في هذا الإطار، لتطوير آليات جديدة للتأمين الغذائي والطاقي، حسب عايش، لافتاً إلى أن الأزمة كشفت أن الحماية المتوقعة من الحلفاء الدوليين لم تكن بالمستوى المطلوب، ما ترك بعض الدول لمواجهة المصير بمفردها.
وإزاء ذلك، يدعو عايش إلى تعزيز العلاقات البينية الخليجية والعربية، والاستثمار في البنية التحتية الزراعية والصناعية في دول المشرق، لإنشاء سلاسل إمداد آمنة تعوّض أي نقص قد ينتج عن إغلاق الممرات البحرية، ويشدد على أهمية تبني تقنيات زراعية ذكية لاستصلاح الأراضي ومكافحة التصحر داخل دول الخليج، ما يساهم في بناء مخزونات استراتيجية تقلل من الهشاشة الغذائية.
وعلى مستوى الدروس الاقتصادية المستفادة لمستقبل دول الخليج، يؤكد عايش أن الأولوية يجب أن تكون لتأمين مسارات تجارية بديلة وتنويع مصادر الغذاء عبر استثمارات مباشرة في الدول العربية المجاورة والعالمية، بدلاً من التركيز الحصري على الأصول المالية في أوروبا أو آسيا أو الولايات المتحدة. ويخلص عايش إلى أنّ التحول نحو "الأمن الاقتصادي المتكامل" مع الجوار العربي يعد حاسماً لقدرة دول الخليج على الصمود في وجه الأزمات الجيوسياسية، ما يستدعي تسريع التكامل الاقتصادي الخليجي وتجاوز الإجراءات التنظيمية الشكلية التي تعيق عمل مجلس التعاون في مجالات الطاقة والأمن الغذائي.
تعزيز الربط الخليجي
في السياق نفسه، يشير الخبير الاقتصادي، خلفان الطوقي، لـ"العربي الجديد"، إلى أنّ الثغرات الهيكلية التي كشفتها الحرب في اقتصادات دول الخليج تستدعي تعزيز الكفاءة التشغيلية للمطارات والموانئ والطرق البرية لضمان ترابط لوجستي متين، مشيراً إلى أن الأزمة أبرزت الحاجة الماسة لتحقيق اكتفاء ذاتي أكبر في مجالَي الأمن الغذائي والدوائي، بالإضافة إلى تعزيز التكامل في شبكات الربط الكهربائي التي تسمح للدول الأعضاء بدعم بعضها البعض في حال تعطل أي محطة توليد.
ويلفت الطوقي إلى أن سلطنة عُمان تحديداً برزت نموذجاً ناجحاً في استثمار موقعها الاستراتيجي بديلاً لوجستياً حيوياً، خاصة مع إغلاق موانئ مضيق هرمز؛ ففي مارس/ آذار الماضي شغل مطار مسقط أكثر من 1500 رحلة إضافية لم تكن مقررة سابقاً، مستوعباً تدفق المسافرين الذين غادروا الإمارات ودول الخليج الأخرى، كما سجل الشحن الجوي في المطار قفزة هائلة، إذ ارتفعت أحجام البضائع المنقولة بنسبة 500% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، ما يعكس قدرة البنية التحتية العمانية على امتصاص الصدمات الإقليمية، كما يوضح الطوقي.
ورغم هذه النجاحات التشغيلية، يشدد الخبير الاقتصادي على ضرورة وضع سيناريوهات طوارئ شاملة تأخذ في الاعتبار احتمالات إغلاق ممرات مائية استراتيجية أخرى مثل باب المندب وقناة السويس، أو حدوث اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية مع دول كبرى مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، ويدعو إلى التعامل مع هذه التحديات كوحدة خليجية متكاملة، تمتلك جاهزية عالية للاستجابة للأزمات بسرعة وكفاءة، ما يحول المحنة الراهنة إلى فرصة لسد الثغرات وتعزيز الصمود المستقبلي. ويشير الطوقي إلى اطلاعه على "جهود مكثفة وغير معلنة" لتعزيز التكامل الأمني والاقتصادي واللوجستي والتكنولوجي والعسكري بين دول الخليج، لبناء وحدة صلبة وقادرة على مواجهة أي تحديات مستقبلية بأقل المخاطر الممكنة، مع العمل أيضاً على تعزيز الروابط الاجتماعية والإعلامية بين شعوب المنطقة.

أخبار ذات صلة.
"كواليس"... حكاية صحافيةٍ في إثر مغنية
العربي الجديد
منذ 33 دقيقة
وقود الطائرات اليمنية يقترب من النفاد
العربي الجديد
منذ 33 دقيقة