عربي
في تحول لافت، يعكس تغيرات عميقة في المشهد المالي الصومالي، تشهد أسواق العاصمة مقديشو خلال الفترة الأخيرة، تراجعاً متسارعاً في استخدام العملة الوطنية (الشلن الصومالي). فقد بدأ قطاع واسع من التجار برفض التعامل النقدي بالعملة المحلية، مفضلين الاعتماد على الدولار ومنصات الدفع الإلكتروني عبر الهواتف المحمولة. هذا التحول يفرض تحديات معقدة تهدد مستقبل السيادة النقدية للبلاد، وتلقي بظلالها الثقيلة على الفئات المجتمعية ذات الدخل المحدود.
وبات إتمام المعاملات اليومية بالشلن الصومالي أمراً بالغ الصعوبة في الأسواق الرئيسية، وعلى رأسها سوق بكارا المالي الرائد، وسوقا حمر وين وهلوى. ويؤكد تجار لـ"العربي الجديد" أنهم يواجهون عقبات حقيقية في شراء أو إعادة توريد بضائعهم باستخدام النقد المحلي، ما أجبرهم على التخلي عنه تدريجياً لتجنب الخسائر التجارية. واللافت أن هذا التغير لم يعد يقتصر على كبار المستوردين، بل امتد ليعيد تشكيل معاملات صغار الباعة ومقدمي الخدمات الأساسية، ما يضاعف من حدة الضغوط على الشرائح المجتمعية الأكثر هشاشة، التي تعتمد كلياً على النقد السائل.
ويشير تجار في السوق إلى أن المستهلكين من محدودي الدخل يواجهون جداراً من التحديات المتمثلة بصعوبة التكيف مع متطلبات أنظمة الدفع الإلكتروني الجديد، أو توفير العملات الأجنبية لتلبية احتياجاتهم اليومية.
وتقول التاجرة سحرو حسن لـ"العربي الجديد": "كان زبائني من الفقراء يقصدونني بالنقود المحلية، لكن المعادلة تغيرت اليوم. لقد طلب مني الحرفي الذي يسنّ السكاكين أن أدفع عبر تطبيق الهاتف بدلاً من سبعة آلاف شلن، وحتى بائع الأكياس البسيط بات يرفض تسلّم النقد المحلي".
وتمتد تداعيات الأزمة لتشمل مكاتب الصرافة، التي تشهد انخفاضاً حاداً في الطلب على العملات، مع تراجع ملحوظ في استخدام الشلن الصومالي، ما يعكس فقدان الثقة المتزايد في قيمته وسيطاً للتبادل التجاري.
ويصف الصرّاف محمود محمد حسن في حديثه لـ"العربي الجديد" هذا الواقع المالي الجديد بقوله: "إن الوضع اليوم يختلف جذرياً عن السابق؛ فمن يحمل حتى 100 ألف شلن (الدولار = نحو 571.5) يُقابل بالرفض التام ويُقال له بوضوح: لا نريد الكاش".
على الجانب الآخر، تتعالى أصوات بعض التجار المحذرين من التداعيات الاقتصادية لهذا التحول، معتبرين أن التخلي الممنهج عن العملة الوطنية قد يضر بالاستقرار الاقتصادي والهوية الوطنية على حد سواء. ويرجع التجار أسباب هذا التراجع المطرد إلى الانخفاض المستمر في قيمة الشلن، وغياب نظام تنظيمي فعال من قبل الجهات المعنية لإدارة السوق، بالتزامن مع الانتشار السريع للمدفوعات الرقمية والاعتماد المتزايد على الدولار.
ويعبّر تاجر الخضراوات، عبد الله عبد الله حرعابي، عن هذا القلق المجتمعي، قائلاً: "نحن صوماليون ولدينا عملتنا. حتى وإن كانت أوراقها قديمة، فهي تمثلنا، والتخلي عنها قد يؤثر سلباً بهويتنا".
ورغم تفاقم هذه الظاهرة وتمددها في الشريان التجاري لمقديشو، لم يصدر حتى اللحظة أي تعليق رسمي أو توضيح من قبل وزارة التجارة أو غرفة التجارة الصومالية بشأن هذه التطورات المقلقة في الأسواق المحلية. ووفق خبراء اقتصاد، تعكس هذه الظاهرة في جوهرها تحولاً أوسع ونقلة إجبارية نحو الاقتصاد الرقمي في الصومال، إلا أنها في الوقت ذاته تثير تساؤلات جدية ومخاوف مشروعة حول إقصاء الفئات الضعيفة مالياً وتقنياً.
كذلك تضع صانع القرار أمام مفترق طرق بشأن مستقبل العملة الوطنية على المدى البعيد، ما يتطلب دراسة وافية للتوازن بين تشجيع الابتكار المالي عبر الهواتف المحمولة وحماية السيادة النقدية وحقوق الشرائح الأقل دخلاً في المجتمع.
وحسب تقارير رسمية، شهدت معدلات التضخم في الصومال حالة من التذبذب الملحوظ خلال عام 2026، متأثرة بضغوط مزدوجة تجمع بين الصدمات المناخية والتوترات الجيوسياسية الإقليمية. فرغم الجهود التي بذلها البنك المركزي الصومالي لتعزيز الاستقرار النقدي، إلا أن الاعتماد المرتفع على استيراد السلع الأساسية جعل الأسعار المحلية عرضة لتقلبات تكاليف الشحن الدولي واضطرابات سلاسل الإمداد في منطقة القرن الأفريقي. وسجل تضخم أسعار الغذاء والطاقة مستويات ضاغطة على القوة الشرائية للمواطنين، ولا سيما في المناطق المتأثرة بموجات الجفاف المتعاقبة.

أخبار ذات صلة.
حين يقرأ الذكاء الاصطناعي مشيتك
الشرق الأوسط
منذ 4 دقائق
طاقة نظيفة من النفايات
الشرق الأوسط
منذ 7 دقائق