عربي
لم تعد الأزمات في عالم اليوم تُقاس فقط بمؤشرات الاقتصاد أو بتقارير المؤسسات، بل أيضاً بقدرة الدول على الحفاظ على تماسكها الداخلي، في سياق دولي مضطرب ومتسارع، فالتحولات الجيوسياسية التي تعيد رسم موازين القوى، وتُربك الاستقرار والأمن في أكثر من منطقة، تضع كل الدول، بما فيها المغرب، أمام اختبارات دقيقة، تقتضي يقظة استراتيجية وقرارات استباقية ومقاربات استشرافية، قادرة على تحصين الجبهة الداخلية من كل سيناريوهات التوتر والانزلاق.
في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى ما تعيشه منطقة الريف شمال المغرب، ولا إلى ملفات معتقلي الرأي عموماً، باعتبارها قضايا معزولة أو تفاصيل داخلية قابلة للتأجيل. إنها، في عمقها، مؤشّرات حسّاسة على منسوب الثقة داخل المجتمع، وعلى طبيعة العلاقة بين الدولة ومواطنيها. وهذه العلاقة، في وقت الأزمات الكبرى، تتحوّل إلى عنصر حاسم في معادلة الاستقرار، بل إلى خط الدفاع الأول عن تماسك الدول ومصداقية خطابها وقوة مؤسّساتها.
لقد راكم المغرب، خلال أكثر من ربع قرن من حكم الملك محمد السادس، جهوداً مهمّةً في اتجاه ترميم الثقة وبناء مسار للمصالحة والإنصاف، خصوصاً مع مناطق عانت من توترات تاريخية. غير أن هذه المكتسبات، على أهميتها، تظلّ هشّة إذا لم تُستكمل بإرادة سياسية واضحة، تُحوّل التراكم إلى تحول نوعي. وهنا يبرُز خيار الانفراج والإفراج ليس إجراءً ظرفيّاً، بل اختياراً استراتيجيّاً يعكس نضج الدولة وقدرتها على قراءة اللحظة بعمق وبعيداً عن الحسابات الضيقة. فالعلاقة بين الانفراج والإفراج عضوية لا تقبل الفصل. فلا انفراج من دون معالجة عادلة لملف معتقلي الرأي، ولا إفراج يكتسب معناه الحقيقي، خارج رؤية شاملة تعيد الاعتبار للإنسان، وتُرمم الثقة، وتفتح أفقاً سياسيّاً جديداً. واستمرار هذا الملف، في ظل إجماع واسع حول مشروعية عدة مطالب اجتماعية كانت وراءه، يطرح سؤالاً جوهريّاً حول جدوى تأجيل الحل، في لحظة تتطلّب العكس تماماً: الحسم الإيجابي وبناء الثقة.
القوة لم تعد تُقاس فقط بالقدرات العسكرية أو الاقتصادية، بل بمتانة الجبهة الداخلية، وبقدرة الدولة على تعبئة مجتمعها حول مشروع مشترك
انخراط فاعلين سياسيين وحقوقيين ومدنيين في مبادرات تضامنية، حملت شعار "أسبوع المعتقل"، لا يمكن قراءته فعلاً احتجاجيّاً عابراً، بل تنبيهاً مجتمعيّاً عميقاً إلى وجود خلل في التوازن بين السلطة والحرية، وبين الدولة والمجتمع. إنها صرخة من أجل الوطن، ومن أجل إعادة الاعتبار لقيم الكرامة والعدالة، ومن أجل تضميد جراح أسرٍ أنهكتها تبعات هذا الملف. فالأزمة لم تعد اجتماعية أو اقتصادية فقط، بل تحوّلت أزمة ثقة مركبة، تتداخل فيها الأبعاد النفسية والسياسية والرمزية. وهي تتغذّى من تراجع في الحريات، ومن اختلال في أداء المؤسّسات الوسيطة، ومن تنامي الإحساس بغياب العدالة وتكافؤ الفرص. كما تتغذى من مؤشّرات مقلقة، مثل تفشّي الفساد، وتضارب المصالح، والتداخل بين السلطة والمال، وكلها عوامل تُضعف مناعة الدولة في لحظةٍ تحتاج فيها أقصى درجات التماسك الداخلي.
وفي سياق دولي متقلب، حيث تتصاعد النزاعات وتندلع الحروب وتنتهك سيادة الدول ويقوّض القانون الدولي، وتشتد المنافسة على الموارد، وتُعاد صياغة التحالفات، لا يمكن لأي دولة أن تتحمّل كلفة هشاشة داخلية، أو فقدان الثقة بين مكوناتها، فالقوة لم تعد تُقاس فقط بالقدرات العسكرية أو الاقتصادية، بل بمتانة الجبهة الداخلية، وبقدرة الدولة على تعبئة مجتمعها حول مشروع مشترك قائم على الثقة والإنصاف والشراكة.
من هنا، يصبح إطلاق سراح معتقلي الرأي في المغرب، وفي مقدّمتهم معتقلو حراك الريف، خطوةً ذات بعد استراتيجي، وليست مجرّد مبادرة إنسانية أو سياسية. إنها رسالة قوية مفادها بأن الدولة قادرة على تصحيح مسارها، وعلى الاستجابة لمتطلبات المرحلة، وعلى تغليب منطق الحكمة على حسابات التردّد. كما أنها مدخل أساسي لإعادة الاعتبار للعمل السياسي، واستعادة ثقة المواطن في المؤسّسات.
وهنا يبرز دور حكماء الدولة، أولئك الذين يمتلكون حسّ التقدير الاستراتيجي، ويُدركون أن اللحظات الدقيقة والمفصلية لا تُدار بالأدوات التقليدية وحدها، بل أيضاً بالحكمة السياسية وبعد النظر. فهؤلاء ليسوا مجرّد فاعلين إداريين، بل صُنّاع توازن، قادرون على التقاط الإشارات الخفية داخل المجتمع، وعلى تحويل التوتر إلى فرصة لإعادة البناء. مسؤوليتهم اليوم تكمن في الدفع نحو مخارج عقلانية تُجنّب البلاد كلفةَ الاستمرار في وضع رمادي، وتفتح أفقاً جديداً يعيد الثقة ويؤسّس لمصالحة متجددة.
لا يمكن إغفال الحاجة إلى أفق سياسي أوسع، يتجاوز التسيير الظرفي نحو التفكير في نموذج الحكم نفسه والحكامة كآلية للتجويد وتعزيز الشفافية
ومن هذا المنطلق، يظلّ استحضار هيبة الدولة أمراً مشروعاً، بشرط ألّا يتحوّل إلى ذريعة لتجاهل الألم الإنساني أو القفز على معاناة حقيقية. فالدولة القوية هي التي توفّق بين الحزم والإنصاف، بين القانون والرحمة، بين الاستقرار والعدالة. أما الاستمرار في إنتاج التوتر، أو العودة إلى منطق سنوات الرصاص، فلن يؤدّي إلا إلى تعميق الهوّة وتقويض ما تحقق من مكتسبات. ثم إن القراءة المنصفة لهذا الملف تقتضي الاعتراف بأن من تبقّوا من معتقلي الريف لم يعودوا مجرّد أطراف في أزمة، بل أصبحوا، عبر التجربة، فاعلين يمتلكون قدراً ملحوظاً من النضج السياسي والفكري. كما أبانوا، في أكثر من مناسبة، عن حسّ وطني ومسؤولية عالية في التعبير عن عدة مواقف، وعن استعداد للانخراط في أفقٍ سلمي ومدني. وهذا المعطى لا ينبغي تجاهله، بل استثماره جزءاً من الحل، لا عنصر توتّر.
ما يثير القلق هنا، ليس فقط استمرار الأزمة، بل أيضاً تجاهل الأصوات العاقلة التي دعت مراراً إلى معالجة هذا الملف بروح من الحكمة والمسؤولية. أصوات صدرت عن فاعلين سياسيين ومدنيين ومثقفين وحقوقيين، مطالبة بفتح أفق جديد، يعيد الطمأنينة ويضمد الجراح. ومن بين النتائج المباشرة لتجاهل هذه النداءات إضعاف منسوب الثقة بمؤسّسات الوساطة، سياسية كانت أو نقابية أو مدنية .
ما يزيد من تعقيد الوضع في سياق كالسياق المغربي اتساع الهوّة بين المجتمع ومؤسّساته الوسيطة، من أحزاب ونقابات ومجتمع مدني، في ظل عجز هذه الأخيرة عن استعادة دورها التأطيري والترافعي. وهو ما يجعل الدولة أمام مسؤولية مضاعفة: ليس فقط في معالجة الأزمة، بل في إعادة بناء شروط الوساطة السياسية نفسها، بما يضمن مشاركة فعلية وذات مصداقية. وهنا يبرز دور حكماء الدولة الذين يُدركون أن القرارات الاستراتيجية لا تُتخذ بمنطق رد الفعل، بل بمنطق الاستباق. فما ينتظر اليوم من هؤلاء خطوات جريئة، تُعيد رسم العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس أكثر توازناً وعدالة.
يزيد من تعقيد الوضع في سياق كالسياق المغربي اتساع الهوّة بين المجتمع ومؤسّساته الوسيطة، من أحزاب ونقابات ومجتمع مدني
ولا يمكن، في هذا الإطار، إغفال الحاجة إلى أفق سياسي أوسع، يتجاوز التسيير الظرفي نحو التفكير في نموذج الحكم نفسه والحكامة كآلية للتجويد وتعزيز الشفافية، فالمغرب، رغم ما راكمه من إصلاحات، لم يختبر بعد بشكل كامل إمكانات الديمقراطية الفعلية، القائمة على فصل حقيقي للسلطات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان الحرّيات، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية. وهو ما يطرح، بإلحاح، فكرة عقد اجتماعي وسياسي متجدّد، يؤسّس لمرحلة جديدة أكثر وضوحاً وانسجاماً مع تطلعات المجتمع.
استحضار هيبة الدولة، في هذا السياق، يجب ألا يتحوّل إلى ذريعة لتعليق الحلول أو تأجيلها، بل إلى دافع لتعزيزها، عبر قراراتٍ تُجسّد قوة الدولة في أبهى صورها وأسماها: قوة الإنصاف، وقوة الحكمة، وقوة القدرة على إعادة الأمل، فالدولة التي تثق بنفسها لا تخشى الانفراج، بل تصنعه، وتدرك أن الاستقرار الحقيقي لا يقوم إلا على الثقة. ولا يتعلق الأمر، في هذا الإطار، فقط بملف معتقلي الريف وغيرهم، بل بسؤال أعمق: أي دولةٍ نريد في زمن التحوّلات الكبرى؟ هل نريد دولة تُحصّن نفسها بالثقة والانفتاح والتعاقد، أم دولة تُثقل كاهلها بتوتراتٍ داخلية يمكن تفاديها بقراراتٍ شجاعة ومبادرات تاريخية؟
يبدأ الجواب عن هذا السؤال من القدرة على تحويل لحظة التردّد إلى لحظة حسم، ولحظة الأزمة إلى لحظة تأسيس. فالانفراج ليس ترفاً سياسيّاً، والإفراج ليس إجراءً تقنيّاً كما قد يفهم بعضهم، بل هما، في هذا الظرف الوطني والدولي الحسّاس، خيار استراتيجي واختبار حقيقي، لحكمة دولة تُدرك أن أقصر الطرق إلى المستقبل وأنجعها يمرّ عبر استعادة ثقة مواطنيها وربحها.

أخبار ذات صلة.
السويسري شيرر حكماً لموقعة سان جيرمان وبايرن
الشرق الأوسط
منذ 14 دقيقة