عربي
غيّرت حرب أوكرانيا معادلات دولية كثيرة، من أهمها زعزعة تحالف مهم كان يُنظر إليه مثالاً يحتذى، وهو المشروع الأوروبي. لحظة الحرب، وما تبعها من تهديد روسي لم تُنتج، كما كان متوقعاً، مزيداً من الوحدة والالتحام، بل على العكس أنتجت حالة غير مسبوقة من انعدام الثقة بين الشركاء، ليس فقط بين ضفتي الأطلسي، التي ظهر فيها التباين الكبير في وجهات النظر بين الأميركيين والأوروبيين في قضايا أساسية مثل جدوى حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وما إذا كانت روسيا عدوّاً أو حليفاً، بل بين الدول الأوروبية نفسها.
اتضحت في لحظة الحرب والتهديد هشاشة الميثاق، الذي يقوم عليه الاتحاد، والذي اتّضح أنه نادٍ لا يمكن التعويل عليه، وتجمّع ما يزال بعيداً عن أن يشكل وحدة حقيقية. مع اشتداد الحرب، بدأت كل دولة تعرّف التحدي القادم بحسب أولوياتها وهواجسها، فمنها من رأت أن لا مفرّ من التعاون مع الروس، ومنها من كانت تعتبر أن معركة أوكرانيا معركتها، التي يجب أن تقاتل فيها بكل قوة، ومنها من عوّل على مشروع أمني جماعي أوروبي، فيما رأت دولٌ أن من الأخطاء الاستراتيجية الاطمئنان إلى حلف الناتو، وإلى مقترح التعاون العسكري الأوروبي، الذي ما يزال بعيد المآل، وأن الواجب هو العمل بشكل منفرد، بما يحقق الاكتفاء والاستقلال الدفاعي، من دون اعتمادٍ على دعمٍ قد لا يأتي بالسرعة المتوقعة.
في ظل هذه المتغيرات، برزت ألمانيا قوة عسكرية صاعدة. أصاب هذا البروز جيرانها بالقلق، فللألمان خبرة وقدرة تاريخية على بناء الترسانات العسكرية في أسرع وقت، وهي ترسانةٌ كانت على مر التاريخ محلّ التهديد الأول لدولٍ خاضت معها صراعات طويلة.
يصعب على أوروبا، التي قبلت طوال الفترة الماضية تحوّل ألمانيا إلى قوة اقتصادية، أن تتقبّل تحوّلها إلى قوة عسكرية فارقة
الأفلام الوثائقية والبرامج الأوروبية والمقالات الكثيرة، عن الخشية من "قيامة ألمانيا" وعودتها بشكلها القوي القديم، كانت تُخبرنا بشيء واحد، أن كل هذه الخطب الرنانة عن العلاقات الأخوية، وكل تلك البرامج المشتركة والمعاهدات الثقافية والسياسية والاقتصادية، التي كانت تهدف، منذ عقود طويلة، إلى ردم الهوّة بين الشعوب الأوروبية، قد فشلت في تحقيق المطلوب منها.
ينتبه الجميع حالياً إلى أن الحالة الحالية من السلام والتعاون الأوروبي مجرّد حالة استثنائية في التاريخ، الذي كانت الحرب عنوانه الأبرز. نتذكّر، ويتذكّر المفكرون الاستراتيجيون، أن أهم أسباب قيام الحرب العالمية الأولى كانت محاولة منع ألمانيا من أن تكون قوة عسكرية وأن يكون لها أسطول منافس. انتهت تلك الحرب بالفعل حينما نجحت الدول المعادية في فرض نزع السلاح على ألمانيا وفق معاهدة فرساي. وفي الحرب الثانية، كان المطلوب أن تنجح عملية لجم ألمانيا ومنعها من أن تشكل تهديداً في المستقبل لأي أحد.
حالياً، تبقى الدول الأوروبية في وضع صعب، فمن ناحيةٍ هي لا تستطيع أن تمنع ألمانيا من أن تسلّح نفسها، وأن تضاعف ميزانياتها الدفاعية في ظل التهديد الروسي. ومن ناحية أخرى، تخشى من أن يحيي هذا الإنفاق الدفاعي الفائق المارد القديم، والرغبة الألمانية القديمة، في الهيمنة، فالجميع يتذكّر كيف استطاع الألمان إعادة بناء جيشهم عقب الحرب العالمية الأولى، وكيف أنهم ضمّوا خلال أيام النمسا وتشيكوسلوفاكيا وبولندا.
يصعب على أوروبا، التي قبلت طوال الفترة الماضية تحوّل ألمانيا إلى قوة اقتصادية، أن تتقبّل تحوّلها إلى قوة عسكرية فارقة. ولا يبدو الأمر، أقله حتى اللحظة، مقلقاً، لكن السؤال: ماذا إذا وصل اليمين المتطرّف إلى السلطة؟، خصوصاً أن حزب البديل يبلي بلاء حسناً في المعارك الانتخابية، إلى درجة أنه ما عاد بالإمكان استبعاد فرضية وصوله إلى الحكم.
والحديث هنا عن حزب قومي مبني على ذكريات الماضي، وعلى تاريخ ألمانيا العظيمة، التي تعرّضت لإذلال من أعدائها، الذين قسموا أراضيها واحتلوها وفكّكوا جيشها وحدّدوا لها سقفاً لا يمكن تجاوزه في مجالات الدفاع والتسليح.
حينما يذكر حزب البديل، يتحدّث الناس عن عدائه للأجانب وكراهيته المهاجرين، خصوصاً العرب والمسلمين، الذين يرى فيهم ثقافة مغايرة ومنافسة. ولكن ما يقلق الأوروبيين من هذا الصعود اليميني أمر يتجاوز هذا. وصول "البديل" إلى السلطة يعني، باختصار، مزيداً من العسكرة والتهديد والتلويح بالقوة، ما قد يصل إلى المطالبة بأراضٍ يؤمن الحزب بأنها تابعة تاريخياً لألمانيا.
كان سيناريو ألمانيا القوية على الدوام مرفوضاً أوروبياً. نذكر هنا اعتراض قيادات أوروبية، منها تاتشر، حتى على فكرة توحيد ألمانيا المنقسمة
كان سيناريو ألمانيا القوية على الدوام مرفوضاً أوروبياً. نذكر هنا اعتراض قيادات أوروبية، منها مارغاريت تاتشر، حتى على فكرة توحيد ألمانيا المنقسمة. وسيكون الأمر أعقد بكثير بلا شك، في حال كان هذا البلد تحت قيادة يمينيّة قومية. وألمانيا يمينية وقومية وقوية قد تعني خروج برلين من التحالفات الكبرى، أي حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، ما قد يؤدّي إلى إفراغ هذه التكتلات من مضمونها، ومن ثم تفكيكها.
تفيد هذه الحالة من الانقسام روسيا المتربصة بالتأكيد، ولكنها أيضاً تفيد الصين المنافسة، والولايات المتحدة، التي قد لا تكون إدارتها الحالية جادّة في تهديداتها بشأن سحب البساط من تحت قدمي "ناتو"، ولكن التي قد يخدمها أن تكون أوروبا أضعف.
ما يهم هنا تثبيت نقطتين مهمتين: الأولى أن الوعي التاريخي حاضر في السياسة الأوروبية، وخير مثال لهذا هو المعضلة الألمانية، التي لم تنجح كل هذه العقود من السلام في حلها. والنقطة الثانية أن "الغرب" مصطلحاً جامعاً بات مجرّد كلمة لا تعني سوى الاتجاه الجغرافي، أو الإشارة إلى دول الشمال، فقد وضح أن من الاستسهال استخدام الكلمة للإشارة إلى دول متطابقة الرؤى في ما يتعلق بالأمن أو الاقتصاد أو النظرة الكلية إلى العالم، أو حتى في ما يتعلق بقضايا ملحّة، كالحرب الأوكرانية أو الصراعات في "الشرق الأوسط".

أخبار ذات صلة.
السويسري شيرر حكماً لموقعة سان جيرمان وبايرن
الشرق الأوسط
منذ 13 دقيقة