حين يتحول الوعي إلى قيد: كيف نصنع أوهامنا بأيدينا؟
عربي
منذ ساعة
مشاركة
ليس أكثر خطورة على الإنسان من أن يعتقد أنّه وصل إلى الحقيقة النهائية، لا لأنّه بحث طويلًا، بل لأنه لم يشكّ يومًا. فالمشكلة لم تكن يومًا في الجهل الصريح، ذلك الجهل الذي يدرك صاحبه أنّه لا يعرف، بل في ذلك الشكل المُراوغ من "المعرفة" الذي يلبس قناع اليقين ويستقر في العقول كأنّه حقيقة مطلقة. هنا بالضبط يبدأ الانغلاق، لا حين تغيب الإجابات، بل حين تحضر بكثرة إلى درجة أنّها تمنعنا من طرح الأسئلة. نحن، في العمق، لا نُربّى على التفكير بقدر ما نُربّى على الامتثال. يُقدَّم لنا العالم منذ الطفولة في صورة جاهزة، مُكتملة، لا تحتاج إلى مراجعة. نتلقى الأفكار كما نتلقى اللغة، من دون أن ننتبه إلى أنّ اللغة نفسها قابلة للتغيير، وأنّ الأفكار التي نحملها ليست بالضرورة امتدادًا لوعينا، بل ربّما هي امتداد لخوف جماعي مُتوارث. وهكذا، قبل أن نصل إلى سنّ التساؤل، نكون قد تشبّعنا بإجابات لم نخترها، وتحوّلنا، من دون أن نشعر، إلى حرّاس لمنظومات فكرية لم نشارك في بنائها. ليس الإنسان بطبيعته كائنًا مُنغلقًا، ولا هو عدو للاختلاف، لكنه يتعلّم ذلك عبر تراكمات صغيرة، عبر جمل عابرة تُقال بثقة، عبر مسلّمات تُقدَّم له كأنّها فوق النقاش، عبر خوف غير مُعلن من أنّ التفكير قد يقوده إلى أماكن غير آمنة. ومع مرور الوقت، يصبح هذا الخوف جزءًا من بنية الوعي نفسها، فلا يعود الإنسان بحاجة إلى من يمنعه من السؤال، لأنّه سيتكفّل بذلك بنفسه. نحن، في العمق، لا نُربّى على التفكير بقدر ما نُربّى على الامتثال في مجتمعاتنا، هناك نوع خفي من التقديس للثبات، وكأنّ الحركة خطر، وكأنّ التغيير تهديد يجب احتواؤه. كلّ ما هو قديم يُمنح شرعية تلقائية، لا لأنّه صمد أمام النقد، بل لأنه ببساطة "كان موجودًا". وفي المقابل، كلّ ما هو جديد يُستقبل بكثير من الحذر، لا لأنّه خاطئ، بل لأنّه غير مألوف. وهنا تنقلب المعادلة: بدل أن يكون الزمن أفقًا للتطوّر، يصبح وسيلة لإعادة إنتاج الماضي في أشكال مختلفة. لكن السؤال الذي نادرًا ما يُطرح هو: هل نحن نحافظ على القيم، أم نحافظ على الخوف من فقدانها؟ لأنّ الفرق بين الاثنين ليس بسيطًا كما يبدو. الوعي الزائف لا يظهر في صورة جهل، بل في صورة يقين مريح. هو ذلك الشعور الداخلي بأنّ الأمور واضحة، وأن لا حاجة لإعادة التفكير، وأنّ ما نعرفه كافٍ لتفسير العالم. هذا النوع من الوعي خطير لأنّه يمنح صاحبه إحساسًا زائفًا بالسيطرة، بينما هو في الحقيقة يقيّده داخل حدود ضيقة. فالإنسان الذي يعتقد أنّه يعرف، يتوقّف عن البحث، والذي يتوقّف عن البحث، يتوقّف عن النمو، حتى وإن كان يظن عكس ذلك. كل ما هو جديد يُستقبل بكثير من الحذر، لا لأنّه خاطئ، بل لأنه غير مألوف المشكلة ليست في الدين، ولا في التراث، ولا في الهُويّة، فهذه كلّها مكوّنات طبيعية لأيّ مجتمع، بل في الطريقة التي نحوّل بها هذه المكوّنات إلى أدوات إغلاق بدل أن تكون أدوات فهم. حين يتحوّل الدين إلى إجابة نهائية لكلّ الأسئلة، يفقد بعده الروحي ويتحوّل إلى منظومة جاهزة تُستعمل لإيقاف التفكير بدل تحفيزه. وحين يتحوّل التراث إلى سلطة، يفقد مرونته ويصبح عبئًا بدل أن يكون مصدر إلهام. أمّا حين تتحوّل الهوية إلى خوف من الآخر، فإنّها لا تعود تعبيرًا عن الذات، بل تتحوّل إلى جدار يفصلها عن العالم. نحن لا نعاني من نقص في المعرفة بقدر ما نعاني من غياب الشك. والشك هنا لا يعني الفوضى أو الإنكار، بل يعني القدرة على إعادة النظر، على طرح الأسئلة، على الاعتراف بأنّ ما نعرفه قد لا يكون كاملًا. كلّ فكرة لا تتحمّل السؤال هي فكرة تخاف من السقوط، وكلّ يقين لا يقبل المراجعة هو في جوهره هش، مهما بدا مُتماسكًا. ومع ذلك، نُربّى غالبًا على الخوف من الشك، باعتباره خطرًا يجب تجنّبه، لا خطوة ضرورية نحو فهم أعمق. التحرّر الفكري لا يعني أن نرفض كلّ ما ورثناه، بل أن نُعيد النظر فيه. أن نختار ما نفهمه لا ما فُرض علينا، وأن نحتفظ بما يثبت معناه لا بما يستمر فقط لأنّه قديم. فليس كلّ ما ورثناه خطأ، كما أنّ ليس كل ما هو جديد صواب، لكن الفرق يصنعه السؤال، لا التسليم. ليس كلّ ما ورثناه خطأ، كما أنّ ليس كل ما هو جديد صواب ربّما أكثر ما نحتاج إليه اليوم هو شجاعة التفكير، لا بمعناه النظري، بل بوصفه فعلًا يوميًّا. أن نسأل قبل أن نصدّق، أن نفكّر قبل أن نحكم، أن نمنح أنفسنا الحقّ في التردّد بدل القفز السريع نحو اليقين. لأنّ اليقين السريع غالبًا ما يكون تعويضًا عن خوف عميق من التعقيد، بينما الحقيقة، في أغلب الأحيان، مُعقّدة، مُتداخلة، وغير مُكتملة. ما لا ننتبه إليه كثيرًا هو أنّنا لا نُضلَّل دائمًا من الخارج، بل نشارك في تضليل أنفسنا حين نختار الراحة بدل الحقيقة، وحين نتمسّك بأفكارنا، لا لأنها صحيحة، بل لأنها تمنحنا شعورًا بالاستقرار. نفعل ذلك حين نرفض الاستماع، حين نحاصر أنفسنا داخل الأصوات نفسها، حين نعتبر الاختلاف تهديدًا بدل أن نراه فرصة للفهم. الإنسان الحر ليس هو من يملك كلّ الأجوبة، بل من يملك القدرة على العيش داخل السؤال. ليس من يصل إلى نهاية التفكير، بل من يظلّ قادرًا على مراجعته. وفي عالم يمتلئ باليقينيات الجاهزة، قد يصبح السؤال فعلًا نادرًا، وربّما فعل مقاومة. لأنّ أخطر ما يمكن أن يحدث لنا ليس أن نخطئ، بل أن نتوقّف عن إدراك أنّنا قد نكون مُخطئين.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية