عربي
أصدرت شركة ديبسيك الصينية نموذجها الجديد للذكاء الاصطناعي، الجمعة، وهو أوّل إصدار رئيسي لها منذ أكثر من عام، وأشارت إلى أنّه يوفّر قدرات متقدمة بتكاليف حوسبة وذاكرة منخفضة بشكل كبير. ويأتي إطلاق "ديبسيك في 4" في لحظة تشتد فيها المنافسة بين الولايات المتحدة والصين في مجال الذكاء الاصطناعي، وذلك بعد اتهام البيت الأبيض لشركات صينية بسرقة التقنيات الأميركية، وهو ما أنكرته بكين بحزم.
وانتشر اسم "ديبسيك" حول العالم في يناير/ كانون الثاني 2025، بعدما أصدرت نموذج ذكاء اصطناعي بكلفة منخفضة وكفاءة عالية تقارب في مستواها نماذج أميركية مثل "تشات جي بي تي". وأثار ذلك ما عُرف لاحقًا بـ"صدمة ديبسيك"، التي تسبّبت في موجة بيع لأسهم شركات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ودفع بعض المستثمرين إلى وصف الحدث بأنه "لحظة سبوتنيك" لقطاع الذكاء الاصطناعي.
"ديبسيك في 4"
قالت الشركة إن نموذجها الجديد في 4 يتميّز بقدرته على التعامل مع نصوص طويلة جداً، إذ يدعم ما يصل إلى مليون "رمز"، أي الوحدات الصغيرة التي يتكون منها النص مثل الكلمات وعلامات الترقيم، ما يتيح له استيعاب ملفات طويلة في الطلب الواحد وإنجاز مهام مرتبطة بها. ووصفت "ديبسيك" النموذج بأنه "رائد عالمياً"، مع انخفاض كبير في تكاليف الحوسبة والذاكرة.
وصدر نموذج ديبسيك في 4 في نسختين: "ديبسيك في 4 برو" وهي النسخة الأقوى، و"ديبسيك في 4 فلاش" التي تقدمها الشركة بوصفها خياراً أكثر كفاءة وأقلّ كلفة لأنها أصغر حجماً. وقالت ديبسيك إن نسخة برو لا تتأخر في معيار "المعرفة العالمية"، وهو أحد معايير قياس قدرة النموذج على الاستدلال، إلّا عن أحدث نماذج "جيميناي" من شركة غوغل. وأتاحت الشركة نسخة معاينة من النموذج المفتوح المصدر، لكنّها لم تحدّد موعد إصدار النسخة النهائية.
نقطة تحوّل
ونقلت وكالة فرانس برس عن خبراء قولهم إن الإصدار الجديد قد يمثّل نقطة تحوّل في كلفة تشغيل النماذج ذات السياق الطويل وأدائها، خاصةً أنه نجح في معالجة مشكلات قديمة مرتبطة ببطء الأداء وارتفاع التكاليف عند استخدام سياقات طويلة. كما لفتوا إلى أن توسيع دعم السياق الطويل قد ينقل معالجة النصوص الضخمة من مختبرات الأبحاث المتقدمة إلى الاستخدامات التجارية اليومية، بما يتيح للشركات والمؤسسات التعامل مع ملفات ووثائق طويلة بكلفة أقل.
من جهتها، قالت "ديبسيك" إن النموذج حُسّن للعمل مع منتجات وكلاء الذكاء الاصطناعي، مثل "كلود كود" و"أوبن كلاو" و"أوبن كود"، ويمكن تشغيله على رقائق تصنعها شركة هواوي الصينية. وأكدت هواوي أن كامل مجموعة منتجاتها "أسيند سوبر بود" يدعم سلسلة "ديبسيك في 4"، في خطوة تعزز جهود الصين لتقليل الاعتماد على تكنولوجيا الرقائق الأميركية.
اتهامات أميركية ورد صيني
وتزامن إطلاق النموذج الجديد مع تصعيد سياسي بين واشنطن وبكين، بعد أن قال كبير مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب للعلوم والتكنولوجيا، مايكل كراتسيوس، عبر "إكس"، الخميس، إن الولايات المتحدة تملك أدلة على أن كيانات أجنبية، معظمها في الصين، تنفذ حملات "تقطير" واسعة النطاق لسرقة الذكاء الاصطناعي الأميركي. وتُعد عملية التقطير ممارسة معروفة في تطوير الذكاء الاصطناعي، تُستخدم عادة لإنشاء نماذج أصغر وأرخص من نماذج أكبر.
وردّ المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، غو جياكون بالقول إن "مزاعم الولايات المتحدة لا أساس لها على الإطلاق". معتبراً أنها جزء من "حملة تشهيرية ضدّ إنجازات صناعة الذكاء الاصطناعي الصينية". أضاف: "نحث الجانب الأميركي على احترام الحقائق، والتخلي عن تحيزاته، ووقف سياسته المتمثلة في الاحتواء التكنولوجي والقمع تجاه الصين، وبذل المزيد من الجهود لتسهيل التبادلات والتعاون التكنولوجي بين البلدين"، في إشارة إلى القيود التي فرضتها الولايات المتحدة على وصول الصين إلى بعض التقنيات.
صعود سريع ومخاوف
تأسّست "ديبسيك" عام 2023 على يد ليانغ وينفنغ في مدينة هانغتشو، أحد أبرز مراكز التكنولوجيا في شرق الصين. وبدأت الشركة مشروعاً جانبياً تابعاً لصندوق تحوط قائم على البيانات يملكه ليانغ، وكان يمتلك مخزوناً من معالجات الذكاء الاصطناعي القوية التي تنتجها شركة إنفيديا. وسرعان ما تحولت مطلع العام 2025 إلى أحد أبرز الأسماء في قطاع الذكاء الاصطناعي الصيني، بفضل نموذجها آر 1 الذي أثبت أن تطوير نماذج منافسة لا يتطلب بالضرورة الإنفاق الضخم نفسه الذي تتبعه شركات أميركية كبرى.
وتراهن "ديبسيك" على النماذج مفتوحة المصدر، أي أن بنيتها الداخلية متاحة علناً للمطورين، ما يسمح بتعديلها وتكييفها بحسب الحاجة، وهو منهج مناقض للشركات الأميركية التي تعتمد النماذج المغلقة. وقد ساعد هذا التوجه في انتشار أدوات الشركة داخل الصين، حيث اعتمدتها بلديات ومؤسسات صحية ومالية وشركات أخرى، مستفيدة من انخفاض الكلفة وسهولة النشر.
ومنح نجاح الشركة في كسر هيمنة الشركات الأميركية على القطاع الناشئ زخماً كبيراً لشركات الذكاء الاصطناعي الصيني الأخرى، مثل "ميني ماكس" و"جيبو إيه آي" التي شهدت إقبالاً قوياً عند إدراجها في بورصة هونغ كونغ، وهو ما تكرّر مع شركة الرقائق المحلية ميتا إكس، بحسب "فرانس برس".
لكن "ديبسيك" وأدواتها لم تحظَ بالمقدار نفسه من الترحيب في دولٍ أخرى، وسط مخاوف حول الرقابة وخصوصية البيانات. ولجأت الولايات المتحدة وأستراليا وكوريا الجنوبية ودول أخرى إلى حظر أو تقييد استخدام برامج "ديبسيك" على الأجهزة الحكومية. وبحسب شركة تحليل حركة الويب سيميلارويب، تستحوذ "ديبسيك" على 4% من سوق روبوتات الدردشة عالمياً، مقابل 68% لـ"تشات جي بي تي".
