عربي
واحدةٌ من مفارقاتٍ غير قليلة في الحرب الراهنة، العسكرية والسياسية والاقتصادية، على إيران، أن الأخيرة تتفوّق فيها تفاوضيّاً على أدائها العسكري ومثيله الاستخباري، فأداؤها التفاوضي رفيعٌ وعال، ولاقتٌ في ما يمكن اعتباره "فن إدارة الأزمات"، ولا مشقّةَ على النفس في أن نقول هذا، نحن العرب الذي بلغ الأذى الإيراني فينا، في غضون هذه الحرب (وقبلها)، مدىً فادحاً معلوماً. بل يمكن الوقوع على دروسٍ مستفادةٍ مما يمكن اعتبارها براعةً يُزاولها صانع القرار في طهران في عملية التفاوض الجارية مع إدارة ترامب. ولربما من لزوم الصراحة أن يقال إن هذه البراعة، وهي، للتذكير، ليست بنت اليوم، تأخذُنا إلى بؤسٍ كان غزيراً في غير موقعةٍ تفاوضيةٍ خاضها بعض العرب مع إسرائيل، منذ ما قبل أولى جلسات كيسنجر مع أنور السادات، غداة سكوت المدافع في حرب أكتوبر (1973)، وصولاً إلى قبول عبد الفتاح السيسي حضور نتنياهو إلى شرم الشيخ برفقة ترامب، لمجرّد مكالمةٍ عابرةٍ من الأخير، في غضون احتفالية وقف إطلاق النار في غزّة في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، قبل أن يتراجع مجرم الحرب الموصوف، فلا يبدي رغبته في ذلك المشوار، مروراً بالذي صار في المفاوضات السرّية التي ساقت إلى "اتفاق أوسلو" ثم المفاوضات المعلنة. ... طوال أزيد من عقدين من مفاوضاتٍ مباشرة وغير مباشرة في الملف النووي إياه أجرتها إداراتٌ أميركية مع طهران، لم تتخلّ الأخيرة عن سقوفها، ولا عن مساحات المقايضات والتنازلات الموضعية، ولئن نسمع من المسؤولين الإيرانيين، في تصريحاتهم المتكرّرة (وما أكثرها) منذ ما قبل جولة إسلام أباد قبل أسبوعين وبعدها، إن على الولايات المتحدة أن تتخلى عن مطالبها غير المعقولة للوصول إلى اتفاق، فإن جواد ظريف، وزير الخارجية الأسبق، والمفاوض الذي جالس نظيره الأميركي جون كيري مرّاتٍ، قالها في 2015، إن التوصل إلى اتفاق نووي ممكن إذا لم يتقدّم الطرف الآخر بمطالب مبالغ فيها.
دعْ عنك أن أصابعهم في طهران على الزّناد، على ما ظلّوا يخبرون العالم منذ أعلن ترامب الهدنة الجارية، وانظُر إلى أن طائرة ويتكوف وكوشنر كانت على أهبة الإقلاع إلى إسلام أباد، الثلاثاء الماضي، وتردّد أن نائب الرئيس جي دي فانس كان مقرّراً أن يرأس الجانب الأميركي هناك، غير أن "تسنيم" وشقيقاتها من وكالات الأخبار الإيرانية واظبت على بثّ تصريحات كبار المسؤولين الإيرانيين عن عدم استعداد المفاوضين للسفر إلى العاصمة الباكستانية، طالما أن الذي يُنقل إليهم لا يمكن أن يكون أرضية تفاهمٍ على شيء. وبالتوازي، بقيت اتصالات رئاسة الحكومة ووزارة الخارجية الباكستانيتن، بعد زيارتي قائد الجيش، عاصم منير، واشنطن وطهران، ضاغطة ومكثفة، ومن دون أن يقتنع أحدٌ من صنّاع القرار في إيران بالإقلاع إلى إسلام أباد، لملاقاة الأميركيين في منتصف طريقٍ أو أقصر أو أطول.
وإذا صحّت الأنباء، في خلفية أنباء ما بدا تشدّداً إيرانياً في مقابل استخفافٍ أميركي به، أن ثمّة تفاهماتٍ جرى إنجازُها بعيداً عن ضجيج اللغتين المتباعدتين في الإعلام، فإن هذا لا يخرُج عن صحّة الفرضية أعلاه، أن المفاوض الإيراني يخوض "حرباً بلا دماء" (بتعبيرٍ بالغ الرهافة للرئيس اللبناني جوزاف عون) بكفاءةٍ ظاهرة، وبثقةٍ مفرطةٍ في النفس، تبدوان مستغربتيْن، بالنظر إلى ما أحدثته الاعتداءات الإسرائيلية والأميركية في بلاد فارس الواسعة، وما ألحقته في صورة إيران نفسها دولةً في الميسور قتْل زعاماتها ورجالاتها الرفيعين العسكريين والسياسيين. والظاهر أن لدى الجمهورية الإسلامية طاقةً عاليةً في تأهيل الكفاءات السياسية والفنية في خطوط التفاوض العسيرة مع الولايات المتحدة، فإذا كانت قد خسرت في موجة الاغتيالات علي لاريجاني وكمال خرّازي، وإذا كان جواد ظريف وعلي أكبر صالحي قد غادرا هذا الملفّ، فإن في وُسع قاليباف وعراقجي ومساعديهما أن يُقارعا أياً كانوا من مبعوثي ترامب إلى مسقط وجنيف وإسلام أباد.
كتب كيسنجر إنه فوجئ بمدى التنازلات التي قدّمها أنور السادات إليه، بشأن ترتيبات ما بعد وقف إطلاق النار بعد حرب 1973، وقد وافق على ورقةٍ من ست نقاط صاغتها إسرائيل، بعد نظرة سريعة منه، غير أن غولدا مائير تالياً طلبت تغييراتٍ في الورقة، ما دام التساهل بشأن ما فيها على ذلك الحال... لن يعثُر ترامب على مفاوضين من هذه القماشة العربية في طهران.

أخبار ذات صلة.
السويسري شيرر حكماً لموقعة سان جيرمان وبايرن
الشرق الأوسط
منذ 13 دقيقة