العراق والقدَر السوري
عربي
منذ يومين
مشاركة
منذ أكثر من عقدَين، يعيش العراق وسورية مسارَين متوازيَّين ظاهرياً، لكنّهما في الحقيقة يمثّلان معادلتَين متعاكستَين في فهم الدولة والسلطة ومصير المشرق العربي. وإذا كانت الجغرافية قد جعلت البلدَين متجاورَين، فإنّ التاريخ السياسي بعد عام 2003 جعل منهما نموذجَين مختلفَين تماماً في التعامل مع الانهيار، وإدارة الفوضى، وإعادة تعريف الدولة الوطنية. كان العراق بداية الزلزال الكبير، فمنذ غزو بغداد في ذلك العام، لم يسقط نظام سياسي فحسب، بل سقط معه التوازن الإقليمي الذي حكم الشرق الأوسط عقوداً طويلة. انهيار الدولة العراقية فتح الباب أمام مرحلة غير مسبوقة من التفكّك: صعود الطائفية السياسية، تمدّد النفوذ الخارجي، تضخّم دور المليشيات، وتراجع مفهوم الدولة المركزية لصالح سلطات متوازية تتقاسم القرار والسيادة. من هناك، بدأ الشرق الأوسط الجديد يتشكّل، لا عبر العواصم الرسمية، بل عبر الفوضى المنظّمة. أصبح العراق نموذجاً لدولة تملك المؤسّسات شكلاً، لكنّها تفقد القدرة على احتكار القرار فعلاً. وتحوّلت بغداد من مركز ثقل عربي تاريخي إلى ساحة صراع مفتوح بين مشاريع إقليمية ودولية متنافسة. أمّا سورية، فقد واجهت اختباراً مختلفاً لكنّه لا يقلّ قسوةً. الحرب التي اندلعت فيها لم تكن مجرّد أزمة داخلية، بل مشروع تفكيك شامل للدولة والمجتمع والجغرافيا السياسية معاً. ومع ذلك، ما يميّز التجربة السورية أنّ الدولة (رغم ما أصابها) لم تسقط بالكامل، بل بقيت تقاوم فكرة الانهيار الكامل، وتحاول إعادة إنتاج نفسها من داخل الأزمة. وهنا يظهر ما يمكن تسميته "القدر السوري"، أي تلك القدرة التاريخية لسورية على العودة إلى مركز المعادلة مهما بدا أنّها خرجت منها. فالشام لم تكن يوماً مجرّد دولة عادية في الإقليم؛ كانت دائماً عقدة التوازن بين الخليج والعراق وتركيا وشرق المتوسط، وأيّ خلل فيها كان يعني خللاً في المنطقة كلّها. سورية تبدو اليوم وكأنّها تصعد من تحت الركام، بينما العراق لا يزال يدور داخل وفرة معطّلة؛ دولة غنية بالموارد، فقيرة في القرار اليوم، وبينما تعيد سورية بناء موقعها السياسي، يبدو العراق كأنّه يراقب هذا التحوّل بحذر. ليس لأنّ دمشق تستعيد دورها فقط، بل لأنّ هذا الصعود يطرح سؤالاً عراقياً عميقاً: لماذا استطاعت سورية (رغم الحرب) أن تعود إلى فكرة الدولة، بينما لا يزال العراق (رغم الثروة النفطية الهائلة) عاجزاً عن استعادة الدولة نفسها؟ لا يكمن الجواب في الاقتصاد أو الأمن فقط، بل في طبيعة النظام السياسي نفسه. سورية اختارت (أو فُرض عليها) مسار إعادة المركزية، بينما عاش العراق تجربة توزيع السلطة بلا مركز حقيقي. أعاد الأوّل تعريف الدولة عبر استعادة القرار، والثاني أعاد إنتاج الأزمة عبر تعدّد مراكز القرار. وهنا يصبح "القدر السوري" تحدّياً مباشراً للعراق، لا بوصفه خصماً، بل بوصفه مرآة سياسية. فنجاح دمشق في التحوّل إلى محور اقتصادي وجيوسياسي جديد يعني أنّ بغداد ستجد نفسها أمام خيار تاريخي: استعادة دورها دولةً مركزيةً في المشرق أو القبول بالتحوّل إلى هامش دائم في معادلة تُصنع خارجها. غيّر غزو العراق وجه الشرق الأوسط، وربّما عودة سورية أحد المؤشّرات على بداية تغييره مرّة أخرى المفارقة أنّ العراق وسورية لا يستطيعان الانفصال عن بعضهما حتى لو أرادا هذا. أمن الحدود، والطاقة، والتجارة، والممرّات البرّية، والتوازن مع تركيا وإيران، وحتى مستقبل المشرق العربي نفسه، كلّها ملفّات تجعل مصيري البلدَين مترابطين على نحو لا يمكن فصلهما. استقرار دمشق ينعكس مباشرة على بغداد، كما أنّ اضطراب العراق ينعكس حتماً على سورية. لكنّ الفارق الجوهري أنّ سورية تبدو اليوم وكأنّها تصعد من تحت الركام، بينما العراق لا يزال يدور داخل وفرة معطّلة؛ دولة غنيّة بالموارد، فقيرة في القرار. وهذا هو جوهر الأزمة العراقية الحديثة: ليس نقص الإمكانات، بل غياب المشروع الوطني القادر على تحويل الإمكانات إلى دولة. من هنا، ليس الحديث عن "العراق والقدر السوري" مجرّد مقارنة بين بلدَين، بل هو حديث عن مستقبل النظام العربي كلّه. فإذا كانت دمشق تستعيد دورها التاريخي بوصفها قلب المشرق، فإنّ بغداد مطالبة بأن تحسم موقعها: هل تعود شريكاً في صناعة التوازن، أم تبقى ساحةً مفتوحةً لصراعات الآخرين؟ لقد غيّر غزو العراق وجه الشرق الأوسط، وربّما تكون عودة سورية أحد المؤشّرات على بداية تغييره مرّة أخرى. وبين السقوط الأوّل ومحاولة النهوض الثانية، يقف العراق أمام لحظة مراجعة كُبرى؛ لأنّ القدر السوري لا يخصّ سورية وحدها، بل يطرح على بغداد سؤال الدولة، وسؤال المستقبل.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية