سورية على خطى باكستان أم في عباءة تركيا؟
عربي
منذ ساعة
مشاركة
بعد النجاح اللافت للدولة السورية في بسط سيطرتها على معظم الجغرافيا السورية، باستثناء محافظة السويداء التي يُعدّ رجوعها إلى الحضن السوري مسألة وقت، يبرز سؤال جوهري حول شكل الدولة السورية في المرحلة المقبلة. بعد تجاوز مفهوم الدولة القومية الذي اصطبغت به سورية طيلة ستة عقود مضت، يمكن القول إن سورية تقف اليوم أمام احتمال تبلور نموذج وطني جديد، قد يجمع بين التجربتين التركية والباكستانية، مع خصوصية محلية تفرضها طبيعة المجتمع السوري وتركيبته الديموغرافية والسياسية. أولاً: دروس التجربة الباكستانية منذ استقلالها عام 1947، عاشت باكستان حالة من عدم الاستقرار السياسي، اتسمت بتناوب فترات الحكم المدني مع الانقلابات العسكرية. فعلى الرغم من وجود نظام انتخابي وأحزاب سياسية ودستور ينص على أن الإسلام دين الدولة ومصدر أساسي للتشريع، بقيت المؤسسة العسكرية لاعباً مركزياً في توجيه المسار السياسي، أحياناً من خلف الستار وأحياناً من موقع السلطة المباشر. هذا النموذج أنتج ما يمكن وصفه بـ"شبه ديمقراطية" ذات مرجعية إسلامية واضحة، تحافظ على شكل مؤسساتي تعددي، لكن مع نفوذ قوي للمؤسسة العسكرية في مفاصل الدولة. ورغم ذلك، لم يشكّل الطابع الإسلامي للنظام عائقاً أمام بناء علاقات استراتيجية متينة مع الولايات المتحدة، خصوصاً خلال الحرب الباردة، ثم في مرحلة ما بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، حيث أصبحت باكستان شريكاً أساسياً في ملفات إقليمية حساسة. ثانياً: التجربة التركية والتحول المدني أما في تركيا، فقد شهدت البلاد منذ تأسيس الجمهورية على يد مصطفى كمال أتاتورك دوراً مركزياً للمؤسسة العسكرية بوصفها حارساً للنظام العلماني. وتكررت الانقلابات العسكرية خلال العقود التالية، إلى أن بدأ التحول التدريجي مع صعود حزب العدالة والتنمية إلى الحكم عام 2002، بقيادة رجب طيب أردوغان. عمل الحزب على تقليص نفوذ الجيش في الحياة السياسية وتعزيز السلطة المدنية، وهو مسار بلغ ذروته مع محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016 التي قادها بعض قيادات الجيش ضد التيار الإسلامي الحاكم. ومنذ ذلك الحين، اتجهت تركيا نحو صيغة حكم تجمع بين مؤسسات دولة حديثة ونفوذ عسكري أقل من السابق، مع انتهاج سياسة خارجية قائمة على تنويع العلاقات الدولية وعدم الارتهان الكامل لمحور واحد. يمكن القول إن سورية تقف اليوم أمام احتمال تبلور نموذج وطني جديد، قد يجمع بين التجربتين التركية والباكستانية، مع خصوصية محلية تفرضها طبيعة المجتمع السوري ثالثاً: سورية بين الإرث والتحول عرفت سورية منذ الاستقلال مساراً متقلباً: من حياة سياسية تعددية نسبياً، إلى نموذج قومي، ثم إلى حكم عسكري سلطوي طويل الأمد، قبل أن تدخل في مرحلة جديدة انتهت بوصول قوى إسلامية إلى السلطة. واليوم، يبدو أن شكل الحكم يتجه نحو صيغة ذات مرجعية إسلامية دستورية، أقرب في بنيتها إلى النموذج الباكستاني من حيث النص على دور الإسلام في التشريع، ولكن ضمن إطار سياسي يسعى إلى الحفاظ على مؤسسات تمثيلية وانتخابية. في الوقت ذاته، تشير المعطيات إلى رغبة واضحة في تجنب هيمنة المؤسسة العسكرية على القرار السياسي، على غرار ما تشهده باكستان وتركيا. فترسيخ هيمنة السلطة المدنية سيكون عاملاً حاسماً في رسم ملامح الدولة المقبلة. رابعاً: البعد الدولي وتوازن التحالفات لم يمنع الطابع الإسلامي للنظام الباكستاني من بناء تحالفات وثيقة مع واشنطن، وهو ما قد يفسر الانفتاح الأميركي الحالي على دمشق ومحاولة إعادة إدماجها تدريجيًا في النظام الإقليمي، ضمن ترتيبات أمنية وسياسية جديدة. غير أن سورية، بخلاف باكستان في مراحلها الأولى، تبدو أكثر ميلًا إلى تنويع تحالفاتها الدولية، مستفيدة من الدرس التركي في موازنة العلاقات بين القوى الكبرى. فالتوجه نحو إقامة علاقات متوازنة مع روسيا، رغم إرث الصراع، ومع قوى إقليمية فاعلة، يعكس محاولة لتفادي الارتهان لمحور واحد، وبناء هامش مناورة أوسع في السياسة الخارجية. خامساً: ملامح الدولة السورية المتوقعة في ضوء ما سبق، يمكن تصور نموذج سوري يقوم على: مرجعية إسلامية دستورية أكثر محافظة من النموذج التركي، وأقل تشددًا من النموذج الباكستاني. حياة سياسية منظمة ومضبوطة، بهامش أوسع من التعددية مقارنة بباكستان، وأقل انفتاحًا من التجربة التركية. مؤسسة عسكرية خاضعة بالكامل للسلطة السياسية، خلافًا لما هو عليه الحال في باكستان وتركيا. سياسة خارجية قائمة على التوازن وتعدد الشراكات. إن نجاح هذه "التوليفة" سيعتمد على قدرة النخبة الحاكمة على تحقيق معادلة دقيقة: الجمع بين الاستقرار السياسي، والتعددية المجتمعية، ومتطلبات الانفتاح الدولي، دون الوقوع في فخ عسكرة الدولة. وبين النموذجين التركي والباكستاني، قد تولد في سورية صيغة ثالثة، تستعير من التجربتين بعض عناصرهما، لكنها تظل محكومة بخصوصية الواقع السوري وتعقيداته.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية