سلام من زجاج في الجنوب
عربي
منذ 4 أيام
مشاركة
لو قُدّر لنا اختيار صورة واحدة لاختصار سوريالية الوضع اللبناني حالياً، لكان غلاف صحيفة نداء الوطن الصادر يوم الاثنين 20 إبريل/نيسان 2026 هو الخيار الأنسب: أبراج زجاجية شاهقة ترتفع على أرض الجنوب، وعنوان واثق: "الجنوب بعد السلام". صورة واحدة تروّج لخيال سياسي يختزل الجنوب إلى مشروع عقاري، ومشروع "السلام" إلى صفقة تشبه الحقبة الترامبية التي نعيشها، والجنوبيين إلى مجرّد عائق مؤقت أمام "الازدهار". يحمل الغلاف طبقات عدة من الانفصال عن الواقع. بدايةً، تُنشر الصورة بينما لا تزال إسرائيل تحتل جزءاً من الجنوب اللبناني، وتقتل مدنيين رغم وقف إطلاق النار، وتعتقل أسرى. ثمّ تأتي اللغة البصرية المعتمدة، فالأبراج استعارة؛ إذ يختفي الجنوب بوصفه بقعة جغرافية لها تاريخ وثقافة وذاكرة مقاومة، ويصبح أرضاً قابلة لإعادة البرمجة، لإعادة تصميمها وفق نموذج عمراني مستورد بلا هوية ولا خصوصية: مكان قد يشبه مانهاتن، أو دبي أو تل أبيب، المهم ألا يشبه صورته القديمة، الأصلية. هذا الخيال ليس جديداً. رأيناه يتبلور بوضوح في مشروع ريفييرا غزة التي يحلم بها رجل الأعمال والاستثمار العقاري دونالد ترامب. هناك أيضاً، تحولت غزة إلى فرصة (وهمية بأفضل حالاتها) لبناء مدن ذكية، ومنتجعات، استثمارات بمائة مليار دولار، ومرافئ حديثة. كل ذلك بُني على فرضية واحدة: إزالة السكان أو دفعهم إلى "مغادرة طوعية"، وتحويل الأرض إلى منصة استثمارية. في تلك الوثيقة، كانت اللغة أكثر صراحة، فاقترحت "إعادة توطين مؤقتة" لمليوني إنسان، مقابل رموز رقمية وتعويضات، ومساكن مصغّرة لمن يبقى. غلاف "نداء الوطن" لا يقول ذلك صراحة، لكنه يستعير المنطق نفسه. فالجنوب في هذه الصورة خالٍ من الناس، خالٍ من القرى، خالٍ من الحقول والزيتون والتبغ، خالٍ حتى من آثار الاحتلال والحروب المتكررة، وخال من هويته الاجتماعية.  الجنوب لدى "نداء الوطن" مجرد مساحة نظيفة خضراء تقابل البحر وتنتظر الأبراج، في محو بصري يسبق المحو الاجتماعي والثقافي والسياسي، وفي ترجمة معاصرة ومباشرة لما يسميه الباحثون "العنف العمراني" (Urbicide)، أي تدمير المكان، وتدمير المعنى الذي يجعل المكان مكاناً. في الحالتين (الجنوب اللبناني وغزة) نحن أمام خطاب يربط "السلام" بالتحوّل العمراني الجذري، والاستقرار بالقطيعة مع الماضي ومع الهوية المحلية. لكن أي سلام هذا الذي يُبنى على إنكار السياق الاجتماعي والثقافي، وعلى تجاهل أن الجنوب فضاء مشحون بعقود من الحرب والذاكرة؟ الأخطر أن هذا الخيال يُقدَّم بوصفه بديلاً وحيداً: إما الحرب أو هذه الأبراج. إما المقاومة أو الاستثمار. وكأن لا إمكانية ثالثة لإعمار الجنوب إعماراً يحترم هويته وخصوصيته، ويعيد بناءه انطلاقاَ من حاجات سكانه لا من رغبات المستثمرين في تبسيط ساذج وجهل بالجنوب وأهله، أو أي منطقة عموماً تنتزع منها هويتها المعمارية والهندسية. ما تكشفه المقارنة مع "ريفييرا غزة"، هو أن المسألة جزء من تصور أوسع للمنطقة: تحويلها إلى شبكة من المشاريع العقارية والسياحية المرتبطة برأس المال العالمي، تحت مظلة "السلام". في هذا التصور، تصبح الأرض سلعة، والسكان قابلين للاستبدال، والتاريخ عبئاً يجب التخلص منه. نعود إلى غلاف "نداء الوطن". هو اقتراح سياسي: أن نتصالح مع فكرة أن التنمية تمر عبر إعادة تشكيل المكان وفق معايير خارجية، وأن نقبل ضمناً بأن الثمن قد يكون التخلي عن جزء من الهوية، وربما عن جزء من الأرض.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية