عربي
لا أحد يمكن له أن يتصوّر أو يتخيّل الصدمة التي ستقع على رأس شخص بائس، وهو يحاول تثبيت أوتاد خيمته البالية في يوم عاصف، وحيث تنذر الأخبار التي تصل إليه عبر هاتفه المُتداعي بأن الأحوال الجوّية سوف تسوء وتصبح أكثر تهديداً للخيام وساكنيها. ولذلك، ترك الأطفال وأمهم يتكوّرون في زاوية من الخيمة بحثاً عن بعض الدفء، وخرج ليدقّ الأوتاد واحداً تلو الآخر، في محاولة لتثبيتها أكثر في الأرض الرملية المحاذية لشاطئ البحر. وحين أوغل في الحفر لكي يثبّت وتداً قويّاً، فقد ارتطم معوله بتلك الكارثة التي كانت عظاماً بشريّة متحلّلة.
يمكن لك أن تعبّر عن الموقف بأن المكان برمّته مقبرة يعيش فيها الموتى والأحياء معاً، أو أن الأحياء يعيشون فوق رفات الأموات وعظامهم، والذين لم يمض على موتهم سوى عامين ونصف العام، هي عمر حرب الإبادة في غزّة. وحيث دُفنت جثثٌ كثيرة على عجل خوفاً من تركها لكي تكون فريسة للكلاب والقطط والجرذان العملاقة، ولأن "إكرام الميّت دفنه"، لا أحد يتردّد، وقد بلغ به الخوف ذروته، حتى والطائرات تحوم حول رأسه والموت يلاحقه، بأن يحفر حفرة على عجل لكي يواري سوأة إنسان.
أخبرتني أرملة ثكلى، وهي تبكي، أن زوجها كان من الممكن أن يظلّ على قيد الحياة، ولكنه أصرّ على ألا يغادر منطقة سكنهم في شمال القطاع قبل أن يقوم بدفن جثث الشهداء من عائلته، وبمساعدة شخصين آخرين. ورغم أن طائرة الاستطلاع كانت تحوم فوق رؤوسهم، إلا أنهم ظلّوا يحفرون دون أن ينظروا إليها، بل حاولوا أن يتناسوا خطرها المهدّد والمحدق، حتى انتهوا من حفر قبر جماعي، وواروا به شهداء العائلة، ولم ينسوا أن يثبتوا فوقه لافتة بأسمائهم جميعاً. وحين قرّروا أن يغادروا تبعاً لأوامر إخلاء مكرّرة وسابقة، فقد عاجلهم الرصاص، فقُتل زوجها وشخصٌ آخر، وهرب الثالث بأعجوبة لكي يروي الحكاية، لأنها تستحقّ أن تُروى.
قبل أيام، عثر هذا الأب البائس، وهو يحاول تثبيت أوتاد خيمته، على عظام وبقايا ملابس وبطاقة تعريف بهتت حروفها، ولكنها لم تمنع من أن يستدل على صاحبها. وقد تبيّن أنها لوالد صحافي شاب لم يتوقّف عن البحث عن والده حيًاً أو ميتاً منذ نحو عامين، وقد تم التعرف إلى بقاياه من بطاقة كانت في جيب بنطاله، وتحمل اسمه، وبأنه يمتلك صلاحية أن يكون مرافقاً لزوجته المريضة في المستشفى. وقد احتفظ بالبطاقة على سبيل الوفاء والذكرى في جيبه، لتكون الوسيلة التي عُرفت بها بقاياه، التي كُرّمت بصلاة جنازة وقبر.
يتنفّس الأهل الصعداء حين يعثرون على بقايا أحبّتهم، رغم قسوة المشهد وغرابة الموقف، ورغم أن العثور على البقايا، وهي عظام متآكلة، إلا أن هذا يعني أن لا أمل في أن يكونوا أحياء، ولكن بما هم أسرى في سجون الاحتلال. وحيث هناك قائمة ليست قصيرة لأسرى تم إخفاء أسمائهم إخفاءً قسريًاً عن المؤسّسات الدولية، مثل منظمة الصليب الأحمر، والتي تحصل على قوائم بأسماء الأسرى باستمرار من الاحتلال وتبلغ بها ذويهم، ولا أحد يعرف الغرض من إخفاء هذه القائمة، التي ينقل الأسرى القلائل المحرّرون أخبارهم، فتبث بعض الأمل في قلوب أحبّتهم، على مبدأ أن الغائب سيعود، والسجين سوف يُفك سجنه، أما الميت فهو الذي لن يعود.
سُجلت في غزّة، أخيراً، حوادث مماثلة للعثور على رفات موتى، صغاراً وكباراً، وفي أماكن متفرقة من القطاع، وخصوصاً في الأماكن التي كان يتجمع فيها الجوعى بحثاً عن طعام، وفيما كان يُسمى بمصائد الموت. وحين ضربت المجاعة لشهور بطون البائسين، وأصبحت الأرواح والجراح مقابل الحصول على حفنة من طحين، واليوم أصبحت تلك الأماكن قبلة الباحثين عن ذويهم وأحبتهم، وحيث لا يترددون عن الحفر بأيديهم بحثاً عن عظام أو ملابس أو متعلقات. وحيث يستمر مشهد الموتى الأحياء الذين يبحثون عن موتى مثلهم، ولكن تحت التراب.
