عربي
العدو هو العدو والمقاومة هي المقاومة، فما الذي تغيّر حتى يصبح المقاوم مجرماً والمعتدي شريك سلام ومن يقف وراء المعتدي هو الصديق؟... لا يتعلّق السؤال بلبنان فحسب، بل يستهدف بالأساس قطاعاً من الجمهور العربي الذي كان يهتف في إبريل/ نيسان 1996: كلّنا مقاومة، ثم جاء إبريل/ نيسان 2026 ليستهدف المقاومة ببذيء العبارة ويسمّيها "جماعات خارجة عن القانون"، أو بلغة محلّل أقامت في رأسه أسرابٌ من غربان الغلّ الطائفي "الجماعات خارج الدولة"، ويهبط آخر إلى حضيض توصيفها أذرعاً أو وكلاء أو أدوات لجهات خارجية.
في العدوان الصهيوني الموسّع على لبنان في ربيع 1996، كان حزب الله يقود ملحمة وطنية باسلة للدفاع عن لبنان ضدّ عدو همجي أطلق على جريمته اسم "عناقيد الغضب"، وكان الشعب اللبناني كلّه موحّداً خلف شعار عابر للطائفية والمناطقية والحزبية يقول "كلّنا مقاومة... كلنا حزب الله"، يعلنه رئيس الحكومة السني رفيق الحريري ويعلنه رجل الدين المسيحي، ويهتف به الطفل والشيخ والمرأة.
كان لبنان العربي الواحد مُجسّداً في شخص الراحل العظيم الأب أنطوان ضو رئيس دير مار إلياس وأمين اللجنة المرقسية للحوار الإسلامي المسيحي، الذي التقيته في مسكنه وقت العدوان، ثم التقيته بعد أربع سنوات من الصمود حتى انسحاب العدو وتحرير الجنوب في العام 2000، فسمعت منه ما يحتاج اللبنانيون إلى سماعه اليوم "هذا عدوانٌ على لبنان كله، يريد منه العدو القضاء على حالة وطنية لبنانية كاملة، باستهداف الشعب والأرض، ومن ثم كانت المقاومة حقاً مشروعاً للشعب اللبناني كله، ومن لا يستطيع حمل السلاح فهو في ظهر المقاومة يسندها ويدعمها بكلّ ما يملك".
ثلاثون عاماً مرّت على لبنان، حرمته من أصوات تشبه صوت الأب أنطوان ضو، على الرغم من أنّ العدو لم يتوقّف عن جرائمه خلالها، فقد عاد إلى العدوان في العام 2006 مسنوداً بالتشجيع الأميركي نفسه، إذ كانت كوندوليزا رايس تؤدّي الدور الذي يضطلع به دونالد ترامب الآن، حين نصحت جيش الاحتلال بضرورة التقدّم البرّي للقوات الإسرائيلية في جنوب لبنان حتى يمكن ربط الانسحاب الإسرائيلي بنشر قوات الجيش اللبناني مع القوات الدولية في الجنوب ودفع حزب الله إلى شمال نهر الليطاني، لكي يتحقّق الحلم الصهيوني الأميركي المُشترك الذي بشّرت به رايس بتصريحها الشهير إن "الشرق الأوسط الجديد سيولد من رحم هذه الحرب على لبنان". وكان حزب الله، في تلك الأثناء، يشكّل العقبة الأكبر والأقوى للتصوّر الصهيوني الأميركي للشرق الأوسط. وبالتالي، كان مطلوباً القضاء عليه قبل المرحلة الأخيرة من الخطّة: توجيه ضربة جوية قاصمة، وبلا تكلفة للمنشآت النووية الإيرانية وفقاً لما كشف عنه صحافي التحقيقات الأميركي سيمور هيرش.
بعد عشرين عاماً، تأتي الصيحة ذاتها من إدارة دونالد ترامب: شرق أوسط جديد ترسم معالمه إسرائيل، ويخلو من كلّ إيران ومن كلّ حركات المقاومة العربية ضدّ المشروع الصهيوني، من غزّة إلى جنوب لبنان، وصولاً إلى العراق واليمن، وهو الهدف الذي تناضل من أجل تحقيقه أبواق عربية، بعضها من النُخب وبعضها الآخر من رعاع النخبويّة، تصيح يومياً، مثل سرب من الكتاكيت الجائعة في حظيرة الطائفية، مُصدرة صوتاً تطرب له إسرائيل، يُسمّي كلّ من يتمسّك بحقّ المقاومة "جماعات خارجة على الدولة"، يعلنها منقوعة بالغلّ ضدّ حزب الله، كرهاً لإيران، فتنسحب على "حماس" وحركات المقاومة في فلسطين، والتي صارت بالقياس الطائفي ذاته "جماعات خارج الدولة" على الرغم من أنّه ليست ثمّة دولة أصلاً، إلّا إذا كانوا غاضبين من كونها "خارجة على دولة الاحتلال".
