مفاوضات في انتظار مفاجآت
عربي
منذ 6 أيام
مشاركة
أما وقد وضعت السلطة اللبنانية إنهاء الحرب والقتل والتدمير والتهجير والاحتلال الإسرائيلي هدفاً يجدر فعل أي شيء في سبيل تحقيقه، فإنها قرّرت التخلي عن خيار الاستسلام للحتمية الإيرانية. ويدرك المسؤولون في بيروت أكثر من غيرهم أن حظوظ تحقيق أهدافهم من التفاوض مع إسرائيل بوساطة أميركية من موقعهم الضعيف قليلة، إنما ليست معدومة، ولكنهم يعرفون أكثر أن الخيار الآخر لا يحقق إلا استمرار الحرب والمذبحة وخسارة مزيد من الأرض والبشر والدمار الشامل. وبداية المغامرة التفاوضية لم تكن بذلك السوء، ذلك أن الهدنة نتيجة أولى تُحسب لمصلحة السلطة اللبنانية وإن لم يتأخر حزب الله في سرقة الفضل فيها لإهدائه إلى إيران. ثم تبيّن أن شروط إسرائيل التفاوضية وأوامر ترامب ليست مُنزلة، وأنه يمكن كسرها، وقد رفض جوزاف عون إشراك بنيامين نتنياهو في الاتصال الهاتفي الذي أجراه معه ماركو روبيو يوم الخميس الماضي، ولم تبدأ الحكومة محادثاتها التحضيرية من موقع المستسلم شكلاً، فباشرتها بين السفيرة اللبنانية لدى واشنطن والسفير الإسرائيلي هناك، وسيكون الوفد اللبناني إلى المفاوضات المباشرة، إن تم الاتفاق على شروطها وجدول أعمالها في المحادثات التحضيرية التي تجري جولتها الثانية غداً في واشنطن، برئاسة سفير سابق اسمُه سيمون كرم، لا وزير حتى، بينما كانت تل أبيب تشترط أن تحصل اللقاءات بين وزير إسرائيلي سابق هو رون دريمر والرئيس اللبناني جوزاف عون شخصياً، لكي تكون الإهانة كاملة في الشكل. في هذه الغضون، صرّح ترامب الأسبوع الماضي بأن لقاء عون ونتنياهو سيحصل في غضون أيام في البيت الأبيض، لكن هذا لا يبدو في طريقه إلى أن يحدث قريباً أيضاً. هذه تبقى شكليات إنما مهمّة، لأنها توحي بالنهج الذي قد يحكم سير المفاوضات المباشرة. في خيار الذهاب إلى التفاوض المباشر مع إسرائيل، تنهي بيروت عقوداً من تلزيم ملف لبنان لإيران في مفاوضاتها مع أميركا وفاءً لنظريتي لبنان ــ الورقة والساحة. بذلك، تقدّم لتل أبيب عرضاً بسيطاً ينصّ على الانسحاب من الأراضي اللبنانية، ووقف القصف، لينتشر الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية الحكومية في كل الجنوب ولتترك مهمة نزع سلاح حزب الله لمؤسسات الدولة اللبنانية والقيادات السياسية بأفضل السبل من دون تفجير حرب أهلية قد تقسّم الجيش وربما يخرج منها الحزب الذي يتفاخر بأنه إيراني الولاء والتمويل والتسليح والعقيدة، أكبر المنتصرين. عرض لبناني يبدو للوهلة الأولى ساذجاً ولكن نقطة قوته تكمن في إدراك حكام إسرائيل أنّ قضاءهم على حزب الله يتطلب منهم احتلال أكثر من نصف مساحة لبنان، كل الجنوب وكل بيروت وضواحيها وكل البقاع، والبقاء هناك لسنوات، وتكبّد خسائر هائلة، أو انتظار سقوط النظام الإيراني وترك الحزب ينتهي ببطء، ولكن هذا البطء يُقاس كذلك بالسنوات ولا تُبنى عليه استراتيجية حكومات. هل السلطة اللبنانية في ظروفها الحالية التعيسة جاهزة للتفاوض مع إسرائيل ومن خلفها أميركا؟ الجواب السلبي بديهي، ولكن بيروت قد تفاجئنا إيجاباً بأدائها وقد تساعدها عوامل قد تظهر خلال سير المفاوضات؛ أولاً لأن لا خيار آخر أمام الحكومة اللبنانية بعدما جرّبت الاحتمال الإيراني عقوداً، وهو لا يعدنا إلا بمزيدٍ من البؤس والحروب وخسارة الأرض. ثانياً إن شخصية المفاوضين وكاريزماهم ومدى تحضيرهم ملفاتهم عوامل مهمة في أي مفاوضات. وفي هذا الجانب، من يدري، قد تفاجئنا السلطة اللبنانية في أدائها، هي التي تضم حكومتها ثلاثة رجال كانوا لسنوات مفاوضين ودبلوماسيين بشهرة عالمية، نواف سلام وطارق متري وغسّان سلامة. ثالثاً، أن تلتفّ عواصم عالمية وازنة خلف لبنان في المفاوضات تعباً من إجرام إسرائيلي متفلّت ولكسر الخلل الفاضح في ميزان القوة الإسرائيلي ــ الأميركي مع لبنان. رابعاً أن يُنتج التفاوض الأميركي الإيراني تخلّياً من إيران عن حلفائها في المنطقة، وهو ما من شأنه التأثير على حزب الله وعلى سير المفاوضات. خامساً أن تُسهم الضغوط الأميركية الداخلية على ترامب مثل الخسارة الكبيرة المتوقعة لمرشحيه في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس (3 نوفمبر/ تشرين الثاني) في تكوين قناعة لديه بأن تعديلاً في سياسته الخارجية مثل إغلاق الجبهة الإسرائيلية مع لبنان وإرساء اتفاق هناك، قد يخدم مصلحته. سادساً أن تظهر بجعة سوداء ما خلال سير المفاوضات اللبنانية ــ الإسرائيلية على شكل تغيير سياسي جذري في إسرائيل وتغُّير غير مرجّح لكنه غير مستحيل في المزاح الحربي للرأي العام هناك. سابعاً أن تحصل معجزة من نوع دعم عربي فعلي للبنان خلال المفاوضات تقوّي موقعه وتعزز موقفه. جميعها احتمالات ضعيفة لكنها غير مستحيلة، عزاء الآملين بحصولها أنه ولو فشلت المفاوضات، لن يحصل أسوأ من هذا الحاصل من دونها.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية