وقفة 17 نيسان في دمشق وما بعدها
عربي
منذ يومين
مشاركة
قبل أيام من ذكرى الجلاء الفرنسي عن سورية في 17 إبريل/ نيسان 2026، دعت مجموعة من النشطاء السوريين إلى اعتصام في ساحة يوسف العظمة المعروفة في دمشق العاصمة بساحة المحافظة. جاءت الدعوة تحت شعار "بدنا نعيش" و"اعتصام قانون وكرامة"، ونشرت المجموعة لهذه الدعوة بيانًا ذكرت فيه مطالبها العشرة، ولولا ضيق المساحة المخصصة للمقالة لكنّا أوردناها هنا. تميز حضور المشاركين والمشاركات بالاعتصام بالتنوّع العمري والجندري والديني والطائفي والمناطقي وحتى السياسي، بينما بالمقابل اقتصر حضور المعارضين للوقفة، الذين تجمّعوا في الساحة نفسها، بناءً على تحشيدٍ مسبق عبر وسائل التواصل الاجتماعي، على جمهور من صغار السن نسبيًا ومن خلفية دينية محددة ومن دون أي حضور نسائي بشكل مطلق. رحّبت قوى سياسية ومدنية سورية وشخصيات مستقلّة كثيرة بهذه الدعوة ودعمتها، كما ساهمت في نشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي وروّجتها عبر بيانات ومنشورات مقروءة ومسموعة ومصوّرة. في المقابل، تعرّضت الدعوة لحملة مناهضة شبه ممنهجة، قامت بها مجموعات ممن يوصفون بأنهم مشايخ دين وشخصيات عامّة ومؤثرون وصفحات ذات انتشار واسع في الفضاء الافتراضي العام. استهدفت الحملة الداعين إلى الاعتصام والمشاركين فيه، بل طاولت كل من تعاطف معهم وأيدهم. وجّه القائمون على الحملة، كلّ من موقعه، للداعين إلى الاعتصام وللمشاركين فيه، اتهامات بالعمالة لجهات خارجية أو داخلية معارضة للسلطة، وتعرّضوا لمنظمي الاعتصام بالتخوين والتشكيك بخلفياتهم ونياتهم والتوقيت الذي دعوا إلى الاعتصام فيه، رغم أنّ التوقيت يحمل دلالات إجماع وطني لا يتزعزع بالنظر إلى أنه توقيت الاحتفال بذكرى جلاء جنود المستعمر الفرنسي عن أرض الوطن السوري. وصل الأمر في بعض أفراد هذه الحملة المناهضة للاعتصام إلى الدعوة الصريحة والمباشرة للقتل والإيذاء الجسدي للمشاركين فيه. كما لم تتوقف الحملة عند ذلك، بل تابع القائمون عليها مهمّة الاغتيال المعنوي لبعض المشاركين في الاعتصام من خلال اختلاق حوادث ووقائع غير صحيحة ونسبتها لهم، أو من خلال تشويه سمعتهم بتلفيق أمور ومواقف لهم لم يقوموا بها. أكثر من ذلك، يرى المتابع بشيء من التدقيق، استخدام مبدأ المغالطات المنطقية من الجهات التي وقفت ضدّ هذا الاعتصام. فلم يتمّ التطرّق في الأغلب الأعمّ للمطالب العشرة المرفوعة تحت شعار الاعتصام، بل بدأت عمليات الشخصنة المنصبّة على الداعين إليه والمشاركين فيه. كذلك يجري افتعال مشكلات ثانوية والتركيز عليها لحرف الناس عن الاهتمام بالمشكلات الأساسية والجوهرية التي من أجلها تم تنظيم الوقفة الاحتجاجية. تؤشر التفاعلات مع الاعتصام على وجود انقسامات عمودية وأفقية في المجتمع السوري، كما تدلّ على انعدام ثقةٍ متزايدٍ بين أفراد المجتمع وتعاملت السلطة بشيء من المسؤولية عندما أرسلت عناصر من قوات الأمن لحفظ النظام وحماية المعتصمين. لكنّ تفاعل السلطة لم يكن متناسبًا مع الحدث، سواء من حيث التوقيت أو الإجراءات أو أعداد القوات المكلفة بالحماية. فالدعوة إلى الاعتصام، وإن كانت لم تؤيّد بترخيص من السلطة لأنّ القائمين عليها لم يتقدموا بطلب ذلك، إلا أنها كانت معلنة ومنشورة ومحدّدة التاريخ والساعة والمكان. مما كان يفترض أن تستعد وزارة الداخلية لها وتسبق المعتصمين إلى ساحة يوسف العظمة وتنظّم الفعالية بشكل مسبق. لو قامت بذلك لمنعت أساسًا تجمّع أعداد من مناهضي الاعتصام، ولحالت دون تهجّم بعضهم عليهم واعتداءاتهم بالضرب والشتم وتمزيق اللافتات وتكسير الجوالات وتصوير المعتصمين بما يفيد ترهيبهم لمنعهم من الاستمرار، أو لدفعهم إلى التفكير بالعواقب لاحقًا على مشاركتهم. كذلك لم تمنع السلطات المحرّضين على الاعتصام من التمادي في أفعالهم، ولم تلاحق أيًا منهم، رغم وضوح الكراهية في خطابهم والعنف في سلوك البعض الآخر منهم بما يخالف القوانين الجزائية النافذة، وبما يتعارض مع الإعلان الدستوري والتزامات سورية بالمعاهدات والمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، والتي تضمنها هذا الإعلان وأقرّ بها. تؤشر التفاعلات مع الاعتصام على وجود انقسامات عمودية وأفقية في المجتمع السوري، كما تدلّ على انعدام ثقةٍ متزايدٍ بين أفراد المجتمع، وتثير تساؤلات جمّة عن أسباب هذا التضاد في المواقف والتباين في وجهات النظر. فرغم أنّ المطالب العشرة للمعتصمين تلامس أهمّ المواضيع في الساحة السورية، ورغم أنّها كانت جزءًا رئيسًا وأساسيًّا من مطالب الثورة السورية، إلا أننا رأينا كثيرين محسوبين على هذه الثورة يقفون ضدّها ويعارضونها! ربما يعود هذا إلى الخلط المتعمّد أو المسكوت عنه بين الدولة والسلطة، والمساواة بين معارضة السلطة والخروج على الدولة في نظر بعضهم، رغمّ أن هؤلاء أنفسهم كانوا يفرّقون بينهما عندما كانوا يعارضون النظام البائد، وكانوا يتهمونه بأنّه احتكر الدولة وجيّرها لمصلحته، بينما لا يمانعون هذا في الوقت الراهن! كثيرون من هؤلاء يتغنّون بعدم قمع السلطة هذا الاعتصام، وكأنّ لها في ذلك منّة على السوريين! هذه النظرة المنحازة، والمنحرفة في الوقت نفسه، عن ضمير الثورة المستقيم والإنسانية السليم، هي شيء معقّد لا يمكن فهم كنهه بدقّة، وإن كان يمكن التخمين في بعض أسبابه. الخوف على الدولة الجديدة من الانهيار، الخوف على وحدة البلاد من التمزّق، الخشية من عودة الحكم الأقلوي الدموي... وكلها مخاوفٌ مشروعة. لكنّ ما يجعلها مشروعة هو نفسه ما يجب أن يجعل سلوك الخائفين منها مُنصبًّا على منع تحققها، وهذا لا يكون بالتغاضي عن سلوكٍ سياسي بات من الواضح أنّه يعبّد الطريق للوصول إليها وإعادة إنتاجها عبر استفراد مجموعة صغيرة بالسلطة وبالتالي بالدولة كلها. يؤسّس اعتصام ساحة يوسف العظمة لحالة جديدة من الحراكين، السياسي والمجتمعي، فلم تنفع حملات الترهيب في منع الناس من المشاركة فيه في المقابل، يؤسّس هذا الاعتصام لحالة جديدة من الحراكين، السياسي والمجتمعي، فلم تنفع حملات الترهيب في منع الناس من المشاركة فيه، كما لم تمنع من الدعوة إلى وقفات واعتصامات جديدة في مدن أخرى، مثل التي يزمع إجراؤها في حلب، وربّما في غيرها من المدن والمحافظات. يدرك كثيرون أنّ المرحلة الانتقالية لا تنفصل عمّا يليها، بل هي تؤسّس له من حيث تثبيت دعائم حكم رشيد يقوم على مبادئ العدل والمساواة والمواطنة الكاملة وسيادة القانون، أو على إعادة إنتاج نمط الحكم الذي أدّى إلى الثورة جرّاء احتكار أزلامه الفضاء العام والسلطة والثروات. لذلك لا يقتصر التحرك من الناس على المطالبة بالقضايا المعيشية على أهميتها، بل على المستقبل الذي ينتظره الجميع بأمل كبير أن يتحقّق في حياتهم لا بعد موتهم. سيمضي المجتمع السوري نحو مزيد من الوقفات والاعتصامات والتحركات المشابهة ما دامت سبل ممارسة الحقوق مغلقة أمامهم. فطالما كان البرلمان غير مشكّل بطريقة تضمن أوسع تمثيل لشرائح الشعب، وطالما كان القضاء جزءًا من السلطة، لا حكمًا عليها وعلى تصرّفاتها، وطالما كانت الأحزاب مغيبة، ولا يوجد قوانين تنظّم العمل السياسي، وطالما وجد من يحتكر التوجيه السياسي لمؤسسات الدولة وللنقابات والاتحادات والمجتمع المدني بكل تفرّعاته، وطالما بقينا على نهج تقديس الأفراد وتنزيه السلطة عن الخطأ والخطايا، فإنّ السبيل الوحيد للتعبير عن المصالح المتعارضة وللمطالبة بالحقوق المهدورة سيبقى هو الاحتجاج عبر الاعتصامات والوقفات، وربّما المظاهرات لاحقًا، وربما أعمال العنف مستقبلًا. أهمّ ما يميّز هذه الأشكال حتى اللحظة سلميتها ومدنيتها وتحضرها أمام الهجمة التي تعرّضت لها، وهذا قد لا يدوم إذا لم تتنبه السلطة إلى ما حصل، وإذا لم تُعد التفكير في النهج المتبع. فهل من آذان صاغية؟

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية