إعمار غزة يتطلب أكثر من 70 مليار دولار وسط تحديات التمويل
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
تدخل مسألة إعادة إعمار قطاع غزة مرحلة مفصلية تتجاوز البعد الإنساني، لتصبح واحدة من أعقد القضايا الاقتصادية في المنطقة. فحجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية والقطاعات الحيوية يفرض تحديات غير مسبوقة، تتطلب استجابات مالية وتنظيمية على المستويين الدولي والإقليمي، إلى جانب رؤية اقتصادية قادرة على تحويل الإعمار من مجرد استجابة طارئة إلى فرصة لإعادة بناء اقتصاد أكثر صلابة واستدامة. ولا تقتصر أهمية إعادة الإعمار على إعادة بناء المباني والمنشآت، بل تمتد لتشمل إعادة تشكيل البنية الاقتصادية والاجتماعية بأكملها. إذ إن أي تأخير في هذه العملية سيؤدي إلى تعميق الأزمات الاقتصادية، وارتفاع معدلات البطالة، وتراجع فرص الاستثمار، ما يزيد من صعوبة التعافي على المدى الطويل. أرقام صادمة في هذا السياق، تتجه الأنظار نحو آليات التمويل، وفتح المعابر، وضمان تدفق المواد الخام، باعتبارها عناصر أساسية لإنجاح عملية إعادة الإعمار. كما أن إشراك القطاع الخاص المحلي، وتفعيل دور الكفاءات الوطنية، يشكلان ركيزة أساسية لضمان استدامة المشاريع وتحقيق أثر اقتصادي واسع يعيد الحياة إلى مختلف القطاعات الإنتاجية. وأصدر الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، بالتعاون مع البنك الدولي، تقييماً لأضرار غزة بعد أكثر من عامين من الحرب، حيث قُدرت احتياجات الإعمار بـ71.4 مليار دولار خلال 10 سنوات، منها 26.3 مليار دولار خلال 18 شهراً. ووفق التقرير، بلغت الأضرار 35.2 مليار دولار، والخسائر 22.7 مليار دولار، في حين تضررت 371,888 وحدة سكنية، وتعطلت أكثر من 50% من المستشفيات، ودُمرت معظم المدارس، مع انكماش الاقتصاد بنسبة 84%. وأوضح التقرير أن التنمية تراجعت 77 عاماً، ونزح 1.9 مليون شخص، وفقد 60% من السكان منازلهم، مع تأثر الفئات الأضعف بشدة. بدوره، يرى المهندس عادل حماد أن البدء الفوري بإعادة إعمار قطاع غزة لم يعد خياراً، بل ضرورة اقتصادية ملحة، مؤكداً أن التأخير في إطلاق مشاريع الإعمار سيؤدي إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بشكل أكبر. وقال حماد لـ"العربي الجديد" إن إعادة الإعمار تمثل نقطة الانطلاق الحقيقية لتحريك عجلة الاقتصاد، من خلال إعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية وخلق فرص عمل واسعة. وأكد أن التقديرات الدولية التي تشير إلى أن عملية الإعمار قد تستغرق أكثر من عشر سنوات، يمكن تقليصها بشكل كبير في حال توفرت الإرادة السياسية والظروف اللوجستية المناسبة، لافتاً إلى أن تسريع وتيرة العمل يعتمد بشكل أساسي على إزالة القيود المفروضة على حركة المواد والمعابر، إلى جانب توفير التمويل بشكل مستقر ومنتظم، بما يسمح بتنفيذ المشاريع دون انقطاع. وشدد حماد على أن فتح المعابر بشكل كامل، وزيادة قدرتها الاستيعابية، يعدان العامل الأهم في إنجاح عملية الإعمار، إلى جانب تحسين سلاسل الإمداد وضمان وصول المواد الخام في الوقت المناسب. أهمية سلاسل الإمداد من جانبه، أكد المختص في الشأن الاقتصادي عماد لبد أن تكلفة إعادة إعمار قطاع غزة تتجاوز 70 مليار دولار، ما يجعلها واحدة من أضخم عمليات إعادة البناء في تاريخ الصراع. وأوضح لبد لـ"العربي الجديد" أن هذه العملية لا تقتصر على إعادة البناء، بل تشمل إزالة كميات هائلة من الركام تتجاوز 60 مليون طن، إلى جانب إعادة تأهيل قرابة 400 ألف وحدة سكنية دُمرت كلياً أو جزئياً. وأشار إلى أن المرحلة الأولى من الإعمار تتطلب ما لا يقل عن 20 مليار دولار خلال أول عامين، مخصصة لإعادة بناء المساكن والبنية التحتية الحيوية، مثل شبكات المياه والكهرباء والطرق. وأضاف: "هذه المرحلة تُعد الأساس الذي سيحدد مدى نجاح بقية مراحل الإعمار، حيث إن أي خلل فيها سيؤثر سلباً على قدرة الاقتصاد على التعافي"، محذراً من أن بطء تدفق التمويل أو استمرار القيود على المعابر سيؤدي إلى تحويل عملية الإعمار إلى مجرد جهود شكلية دون تحقيق أثر اقتصادي حقيقي. ولفت لبد إلى أن بناء اقتصاد مستدام في غزة يتطلب بيئة مفتوحة تسمح بدخول المواد الخام بحرية، إضافة إلى آليات تمويل شفافة تضمن توزيع المشاريع بشكل عادل، وإشراك الكفاءات المحلية بما يسهم في إعادة تشغيل المصانع وتعزيز سلاسل الإمداد الداخلية. وبالتالي، فإن إعادة الإعمار ليست مجرد إعادة بناء ما دمرته الحرب، بل هي إعادة تشكيل مستقبل اقتصادي كامل، قادر على الصمود أمام التحديات وتوفير حياة كريمة للسكان. وبينما تبدو الأرقام ضخمة والتحديات معقدة، فإن وجود رؤية واضحة وإرادة حقيقية يمكن أن يحوّل هذا المشروع إلى نقطة تحول تاريخية في مسار الاقتصاد في غزة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية