محتويات التواصل بين الإحسان والإساءة .
حزبي
منذ ساعتين
مشاركة

بقلم / الشيخ الدكتور .محمد بن موسى العامري *
وسائل التواصل الإجتماعي بمختلف أنواعها ليست مجرد أدوات لنقل الأخبار ، وإشاعة المعرفة ، وإنما هي قوالب ومحتويات متعددة وفضاء مركزي يعيد تشكيل الوعي ويوجه السلوك الفردي والجماعي فهي إذاً بيئة مفتوحة للهدى والضلال والبناء والهدم والإحسان والإساءة والحق والباطل والصواب والخطأ وكثير منها ضمن دائرة العفو والمباح ، وهي تعكس الواقع الذي نعيشه من خير وشر وصلاح وفساد وهداية وغواية وأفراح وأتراح وغنى وفقر وسمو في الأخلاق وانحطاط فيها وصدق وكذب وحقائق وبهتان ومن هنا كان لابد من إشارات في طريقة التعامل مع محتوياتها المسيئة المتعددة ومن أبرزها الآتي :-

أولاً :- محتويات الزندقة والإلحاد .

والمراد بها المحتويات المسيئة للدين الساخرة بالقيم ، الجاحدة بالله ورسله والمستهزئة بشعائر الإسلام وأحكامه ويبرز في هذا السياق شواذ يقتاتون على التشكيك في المسلمات العقدية متخذين من السخرية والتهكم أداة لزعزعة اليقين .
فالمشاركة بالإعجاب أو الترويج أو السماع لأصحابها أوالبقاء في صفحاتهم تمنح هذه الأفكار فرصة خوارزمية تساهم في انتشارها فيحرم ذلك إلا بقصد رد باطلهم وتفنيد شبهاتهم والتحذير من شرورهم قال تعالى :- ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ وقال تعالى :- ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ فدلت الايتان على :-
١- تحريم الاستماع للساخرين والمستهزئين بآيات الله حال خوضهم في الآيات الله ووعيد لمن فعل بمماثلتهم في خوضهم .
٢- حظر القعود معهم ويشمل ذلك البقاء في صفحاتهم .
٣- وجوب الإعراض عنهم مالم يخوضوا في حديث غير السخرية بالدين وآيات الله .
٤- دلالة القرآن إلى وجود هذا النمط الساخر منذ القدم القائم على الاستفزاز والإثارة والجدل توحي بأن التحدي ليس في وجوده فحسب، بل في التعامل الرشيد معه بحيث يقتضي التفريق بين الحوار العلمي والاستفزاز الجدلي فالأول يُناقش والثاني يُعرض عنه لأن التفاعل مع الساخرين يسهم في تضخيمهم ومنحهم حضوراً أكبر مما يستحق فمقاطعة هذا النمط إعجاباً وترويجاً ومشاركة وبقاء في صفحاتهم متعينة .

ثانياً :- محتويات صناعة الخرافة والإنحراف العقدي .

وتعج وسائل التواصل بأصناف من المحتويات البدعية بمختلف مستوياتها المخففة و المغلظة وأقبحها الشركية كصرف أنواع العبادات لغير الله والتأصيل المنحرف لها ونشرها ، عبر بوابة العاطفة الدينية الجاهلة لتزييف الوعي وترويج الأفكار الباطلة والتلبيس على العامة بها لتلويث صفاء العقيدة .
ويكثر هذا النوع من الضلال في مواقع غلاة الرافضة ومن على شاكلتهم من مخرفي التصوف ومنه ما يقومون به من الهتافات والاستغاثات بغير الله ونداء الأموات كدعاء على والحسين وفاطمة ونحوهم من دون الله لطلب الحاجات منهم ولا ريب أن ذلك من الشرك الأكبر المخرج من الملة وهؤلاء كالصنف السابق يحظر البقاء في صفحاتهم والإعجاب بضلالهم لما في ذلك من إعانتهم على الإثم والعدوان وتزيين خرافاتهم التي تصادم صريح النقل وصحيح العقل ولبس الحق بالباطل في أخص الخصوصيات وهو توحيد الله سبحانه وتعالى .

ثالثاً :- محتويات تطبيع الفواحش .

فتقوم كثير من المنصات على مكافأة المحتويات الأكثر إثارة بغض النظر عن قيمتها فتنتشر المقاطع الفاضحة والساقطة التي تستهدف الغرائز و تزين الفواحش وتفسد الفطرة والذوق العام حتى يتطبع الناس على المنكر بتحطيم الحواجز النفسية تجاه الرذيلة والساعون في ذلك متوعدون بعقوبة الله وعذاب أليم في الدنيا والآخرة كما قال تعالى :- ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
ومثل هذه المواقع يحرم البقاء في منصاتها والترويج لها أو الإعجاب بها لما في ذلك من التعاون على الإثم والعدوان ويعد الامتناع عن دعمها مساهمة في كبح انتشار الرذيلة وحماية الفضيلة .

رابعاً :- محتويات خطاب الكراهية وصناعة الشائعات .

وهو من أخطر المحتويات لأنه يضرب الثقة الاجتماعية ويفسد العلاقات العامة فيحرم الترويج لها والإعجاب بمنشوراتها لما في ذلك من الاعانة على الاثم والعدوان بواسطة السباب والفحش والقذف والشائعات ونشر الأكاذيب وتلفيق التهم وكثير منها ذباب مستأجرة لتصفية الحسابات وتعمل لصالح جهات مشبوهة بغرض الاغتيال المعنوي و تشويه الناس وإسقاطهم والافتراء عليهم ، فيكذبون على الرموز ويستبيحون الخوض في أعراضهم ويفترون عليهم سواء كانوا علماء أو دعاة إلى الله أو رموزاً قبلية أو سياسية أو ثقافية أو فكرية وينسبون اليهم ماليس فيهم دون تثبت وتحقيق ، وبعضهم يظن التخوض في ذوي السلطان والحكم والكذب عليهم مما يسوغ لهم ذلك وهذا من السقوط في وحل البغي والتعدي والاستطالة في الأعراض بغير حق فإن الكذب والافتراء محرمان على الموافق والمخالف – حاكماً أو محكوماً – ويتفشى خطاب الكراهية والبغي بين المختلفين سياسياً أو ثقافياً أو مذهبياً أوحزيباً أو مهنياً بصناعة التهم والأكاذيب ظلماً وجهلاً عبر مطابخ معدة لذلك وظناً أن الخلاف مسوغ للكذب على المخالف أو الاستطالة في عرضه بغير حق ولاريب أن ذلك من الإثم والبهتان قال تعالى :-﴿ وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ جاء في أحد وجوه أسباب النزول أن مسلماً سرق ورمى بذلك يهودياً وهو بريئ من ذلك .

خامساً :-محتويات التفاهات .

الترفية أو الترويح عن النفس في حدود المباحات حاجة إنسانية ملحة و يكون مذموماً حينما يحتل المساحة الأكبر من الوقت والاهتمام فيساهم في تسطيح الوعي وضعف القدرة على التركيز على المنافع وليس المراد القطيعة التامة مع ذلك بقدر ما هو التوازن بحيث يبقى في حدوده المقبولة دون أن يتحول إلى مركز للاهتمام ولاريب أن الشريحة الأوسع في وسائل التواصل ينتمون إلى عالم الهزل المفرط والتفاهة وسبب ذلك هروب غالبية الناس من الأمور الجادة والعلمية وميلهم إلى المسليات والفكاهات ولايجدونها إلا في المحتويات الهزلية فيتقاطرون عليها زرافات ووحداناً ويلجأ كثير من المشاهير إلى امتهان الهزل أو الشذوذ في الآراء لاستقطاب الناس الى ذلك ، طمعاً في المال بواسطة المتابعات والإعجابات وغالب التفاهات والهزل غير هادف ولا مفيد وفيه من ضياع الأوقات والأعمار ومتابعة توافه الأمور ما يورث بلادة الحس وانحداراً في المروءات التي يترفع عنها العقلاء وأهل القيم والشيم وقليل من البرامج الفكاهية مايكون هدفاً نبيلاً وله غاياة سامية .

ختاماً :-
إن الوقوف على التعامل الرشيد مع وسائل التواصل من الأهمية بمكان فالرفض المطلق ، لم يعد ممكناً في ظل أهمية الوصول إلى المعلومات والتفاعل الإيجابي القائم على الإحسان والرشد كما أن الإنخراط فيه دون وعي أوبصيرة له محاذيره المتعددة دينياً وأخلاقياً وقانونياً ووسائل التواصل ليست شراً محضاً ولا خيراً خالصاً بل هي مرآة تعكس ما نمنحه من اهتمام فإن أحسنا الاختيار ارتقى الخطاب وإن أسأنا تضخم الانحراف والرهان الحقيقي ليس على المنصات ذاتها بل على وعي المستخدمين لكل محتوى يصادم الثوابت الدينية والأخلاقية أو يخدش الحياء وضرورة رفع المستوى المعرفي ودعم وصناعة المحتويات المفيده التي تبني الروح وتسمو بها على هدى الوحي وذلك يتطلب رقابة ذاتية واستشعار سجلات الغيب وما هو الأثر الحميد الباقي في صحائف الدنيا والله يحب المحسنين .

*رئيس الهيئة العليا لإتحاد الرشاد اليمني

http://محتويات التواصل بين الإحسان والإساءة .

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية