عربي
منذ صدر قبل أيّام تصريح رئيس هيئة الاستثمار السورية عن المشافي الحكومية وإمكانية إدراجها في منظومة "الخصخصة"، تشتعل مواقع التواصل الاجتماعي بين رافض للطرح ومؤيّد له.
تضطرم المعارك حول القرار، إلى مستوى من العنف اللفظي، كما هو مألوف بين السوريين، ليس اليوم فحسب، بل منذ عقد ونصف العقد. زادت من إضرام المشاعر بين العموم فيديوهات تدفّقت أيضاً في مواقع التواصل، تُظهر الحال المتردّي لأكثر المستشفيات العامة أهميةً، وكانت حتى وقت قريب تقدّم خدمات صحّية فائقة الأهمية والتخصّصية لعامة الناس، إلى أن تغلغل فيها الفساد ونخر أركانها الحيوية، ثم من بعده الحرب والعقوبات التي أدّت إلى حالة تشبه الانهيار التام، والمؤلم أيضاً تفشّي أمراض معدية لم توفّر الكادر الصحّي ومنها الجرب، في غياب أدوات النظافة من كوادر ومواد وبنية تحتية تسمح بالعمل.
هذا الواقع المزري، المحزن، والمهين للكرامة الإنسانية، أصابني في الصميم، أنا ابنة القطاع الصحّي في سورية، ولقد عملت نحو 30 عاماً فيه، عايشته في فترات الذروة، وعايشت تغلغل الفساد فيه بالتدريج، ثم استقلتُ من عملي في 2013. كانت المشافي العامة والتخصّصية التابعة لوزارات الدولة، إضافة إلى المراكز الصحّية ومراكز الرعاية، تقدّم خدمات صحّية كبيرة لعموم الشعب، فهناك المشافي التابعة لوزارة الصحّة، ولوزارة التعليم العالي، وهناك المشافي التابعة لوزارتي الدفاع والداخلية، وكانت المراكز المتخصّصة بطب الأورام تقدّم العلاج المجّاني للمواطنين. وأكبرها مشفى البيروني التابع لوزارة التعليم العالي. كذلك، كانت هناك أقسام خاصّة بالأمراض المزمنة تقدّم الرعاية الطبّية والعلاج لأصحاب أمراض مزمنة أو مرضى بحاجة إلى تدابير طبّية باستمرار للحفاظ على حياتهم، فتُقدَّم جلسات التنقية الدموية لمرضى قصور الكلية، والعلاج لمرضى السكّري بنوعَيه، والأدوية الخاصّة لمرضى الجهاز المناعي، وأمراض الكبد، وغيرها من الأمراض التي تهدّد الحياة أو تعطب الجسم فتحيل المصاب إلى شخص خامل يمضي حياته في المعاناة. هذا إضافة لتقديم العلاجات الجراحية وعلاجات الأمراض بأنواعها من طريق العيادات التابعة للمشافي أو في المراكز الصحّية.
بعد صمت المَدافع وسقوط النظام، أظهر الواقع حجم الخراب في القطاع الصحّي. لكن هل الحلّ في خصخصتها من أجل النهوض بقطاع الصحّة؟
في فترة الحرب، هناك منشآت صحّية كثيرة دُمّرت، وأخرى راحت تعاني قلّة الموارد بأشكالها كلّها، خصوصاً الموارد البشرية المتخصّصة بمغادرة قسم كبير منها البلاد. فبحسب إحصاءات عام 2010 كان عدد الأطباء العاملين في سورية يناهز 30 ألف طبيب، فانخفض خلال عقدٍ واحد إلى أقلّ من النصف، إذ غادر البلاد ما يُقدَّر بما بين 15 و20 ألف طبيب، أي ما يقارب ثلثي الكادر الطبي. وتشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أنّ نحو 70% من العاملين في القطاع الصحّي إمّا هاجروا إلى خارج البلاد أو نزحوا داخلياً، ما جعل بعض المناطق تعاني نتيجة وجود طبيبٍ واحد لكل عشرة آلاف شخص. وكانت ألمانيا الوجهة الأولى للأطباء السوريين، حيث يعمل اليوم ما يزيد على سبعة آلاف طبيب سوري يحملون الجنسية السورية في النظام الصحي الألماني. كما توجّه أطباء سوريون بكثافة إلى دول الخليج، ولا سيّما السعودية والإمارات وقطر، إضافة إلى بريطانيا والسويد وفرنسا. والمفارقة المؤلمة أنّ هؤلاء الأطباء حقّقوا نجاحاتٍ لافتة في بلدان اللجوء؛ فباتوا رؤساء أقسام، وأساتذة جامعات، وجراحين في اختصاصات دقيقة، وأسهموا في سدّ النقص الحاد في الأنظمة الصحية للدول المستقبِلة، في وقتٍ تُرك فيه النظام الصحي في بلدهم الأصلي مكشوفاً وعاجزاً.
في النتيجة، بعد صمت المَدافع وسقوط النظام، أظهر الواقع حجم الخراب في القطاع الصحّي. لكن هل الحلّ في خصخصتها من أجل النهوض بقطاع الصحّة؟ إنّ خصخصة أيّ قطاع تعني إدارته وفق آليات تهدف إلى الربح، وهذا أمر بديهي، ومقابل الخدمات التي تُقدَّم تُدفع رسوم تُحدَّد قيمتها بناء على جودتها، فهل سيكون بإمكان المواطن السوري، الذي يعاني أصلاً من حياة يحاصرها الفقر، دفع تكاليف الخدمات الصحّية التي يحتاجها؟
الغالبية العظمى من الشعب السوري اليوم تعيش عند خطّ الفقر، وربما تحته، فالدخل لا يتناسب مع كلفة الحياة، ولا يؤمّن الحدّ الأدنى من الغذاء، بل إنّ مواد كثيرة ضرورية من أجل بناء أجسام معافاة باتت حلماً بالنسبة إلى تلك الغالبية. وبالتالي، فإنّ نقص الغذاء بهذه الحدّة سوف يؤثّر في مناعة الأجسام ضدّ الأمراض، وسيؤثّر في عملية التعلّم لدى الأطفال، فقطاع التعليم يعاني أيضاً، ولا تتوافر فيه بيئات تعليمية آمنة وشاملة، وبالتالي، فإنّ أجساداً غير معافاة لن تستطيع المساهمة في النهوض الاقتصادي ولا العلمي. تقدّر الأمم المتحدة عدد الأشخاص الذين يحتاجون إلى المساعدة بـ16.5 مليون شخص، وهناك تسعة من كلّ عشرة سوريين يعيشون تحت خطّ الفقر. فكيف يمكن لهذا العدد، المُرشَّح للزيادة وفق الواقع الحالي، أن يتحمّل أعباء أو كلفة الرعاية الصحّية؟
ماذا عن الأمهات الحوامل عندما تحضر لحظة الولادة التي لا يمكن تأجيلها؟ ماذا عن الطوارئ والحالات الإسعافية؟ ماذا عن مرضى السرطان والقصور الكلوي والسكري والأمراض المناعية؟ ماذا وماذا أيضاً، والمرض يرافق الحياة على الدوام، فكيف بشعب ينهض من تحت الركام؟ وماذا، على سبيل المثال، لو تفشّت جائحةٌ تهدّد المجتمع بكامله، كما حصل مع جائحة كوفيد - 19؟ لا يمكن تصوّر احتمال من هذا النوع من دون الإصابة بالهلع إذا ما حصل.
خصخصة المشافي في هذا الظرف العصيب الذي يعاني فيه الشعب بغالبيته لن يكون حلاً مجدياً في تطوير النظام الصحّي وجعله في خدمة المجتمع
الوصول إلى رعاية صحّية ذات جودة وحماية اجتماعية للجميع، والحدّ من وفيات الأمهات والأطفال، والقدرة على الصمود أمام الجائحات الطارئة واضطرابات المناخ، كلّها تحدّيات رئيسة، وهي من واجبات الدولة. وهذا الواقع يفرض عليها بناء أنظمة صحّية وحماية اجتماعية أكثر عدلاً واستدامةً وقدرةً على مواجهة تحدّيات الواقع والمستقبل، بالتوازي مع تعزيز الحماية الاجتماعية لمكافحة الفقر وعدم المساواة.
يحلم كل فرد ويسعى إلى العيش بأمان داخل مجتمعات متضامنة، حيث يعزّز المحيط الاجتماعي والبيئي الصحّة والرفاهية الجسدية والنفسية والاجتماعية، لكن الواقع في سورية لا تتوافر فيه هذه المحدّدات، فالمرافق العامة والخدمات في مجملها في حالة عجز، بينما من البديهي أن يتوقّع الناس من السلطات الصحّية أن تحميهم هم وعائلاتهم من كلّ ما يهدّد صحّتهم، ولا نتحدّث هنا عن الرفاهية التي تعدّ شاغل الحكومات في الدول الحديثة والمتقدّمة، فالرفاهية ترفٌ يمكن الاستغناء عنه في حالة التعافي والبناء.
في العام 2019، صرّحت اليابان، التي كانت تترأس مجموعة العشرين، بأنّ اعتماد البلاد نظاماً قائماً على تعميم التغطية الصحّية في عام 1961، ساهم في عقود من التقدّم الاجتماعي والاقتصادي. هذه من التجارب المهمّة التي يمكن الاستفادة منها، فإذا لم تقدّم الدولة ما يعزّز الصحّة للجميع، فلن يكون هناك أفراد أصحّاء قادرين على النهوض بالاقتصاد، حتى لو توفّر الدعم الاقتصادي. إنّ قوة عاملة أكثر صحّة ستكون قوةً عاملةً أكثر تنافسية وإنتاجية. هذه حقيقة تبرهنها تجارب من هذا النوع.
خصخصة المشافي في هذا الظرف العصيب الذي يعاني فيه الشعب بغالبيته لن يكون حلاً مجدياً في تطوير النظام الصحّي وجعله في خدمة المجتمع، ربّما تركيز الاهتمام على صيانة البنى الصحّية المتوافرة وجعل هذا الأمر من الأولويات يجدي أكثر، ومن الممكن على سبيل المثال فرض رسوم رمزية لا تؤثّر في معيشة الفرد التي هي في الأساس دون المستوى، قد يساهم في تأمين حدّ مقبول من الخدمات الصحّية، وقد يكون من المجدي أيضاً تسخير تلك التبرّعات التي قدّمها المجتمع الأهلي في عدّة محافظات في هذا الإطار، إضافةً إلى المبالغ المقدّمة وفق اتفاقات تجريها الحكومة مع بعض الجهات الدولية، منها اتفاقية مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، في الترميم والإصلاح وصيانة البنى التحتية للمشافي كي لا يصدمنا الواقع بحالات مشابهة لتفشّي الأمراض السارية أو تفشّي القذارة في المرافق الصحّية وفي بيئات المشافي.
أعيدُ ما قاله الطبيب اللبناني إسماعيل سكّرية، وجعله عنواناً لكتابه عن الواقع الصحّي في لبنان، فذهب إلى أنّ: "الصحّة حقّ وكرامة". أكثر ما يحتاج إليه الشعب السوري اليوم هو حقّ الصحّة وحقّ التعليم كي تنتعش كرامته ويستطيع المساهمة في صناعة المستقبل.
