الأرشيف العثماني والعقارات الوقفية... نزاع أم تصحيح؟
عربي
منذ ساعة
مشاركة
يعود ملفّ العقارات الوقفية في سورية إلى الواجهة، على خلفية توجّه وزارة الأوقاف إلى الاعتماد على السجلات العثمانية في تدقيق ملكية عقارات تقع، بشكل أساسي، في مراكز حيوية بمدينتي دمشق وحلب. ولا يقف هذا الطرح عند حدود مراجعة وثائق تاريخية، بل يفتح احتمال إعادة توصيف عقارات يتعامل معها أصحابها اليوم كملكيات مسجّلة منذ عقود. وهذا يطرح سؤالاً مباشراً: هل يمكن إعادة النظر في ملكيات مستقرة قانونياً، وعلى أي أساس يتم ذلك؟ ينطلق هذا التوجّه من فكرة أن بعض العقارات قد تكون في الأصل أوقافاً مسجَّلة أو مثبتة في سجلات قديمة، ثم انتقلت لاحقاً، عبر البيع أو الإرث، إلى أفراد أصبحوا يتصرّفون بها كأملاك خاصة. وبحسب ما يُطرح، فإن وزارة الأوقاف تسعى إلى إعادة التحقّق من التسلسل التاريخي لانتقال الملكية، تمهيداً لتثبيت صفة الوقف حيثما ثبت ذلك، وما يترتّب عليه من إعادة تنظيم العلاقة مع الشاغلين، سواء عبر الإبقاء عليهم بعقود إيجار، أو إعادة ضبط شروط الانتفاع وفق أسعار السوق. غير أن الإشكالية لا تتوقف عند حدود التنظيم الإداري للأوقاف، بل تبدأ فعلياً عند لحظة اصطدام هذا التوجّه مع طبيعة النظام العقاري القائم. فالمسألة هنا لا تتعلق بسجلّ تاريخي فقط، بل بمراكز قانونية نشأت واستقرّت عبر سلسلة من التصرّفات القانونية المسجَّلة رسمياً، وأصبحت جزءاً من بنية الملكية المعترف بها قانوناً. وبالتالي، تضعنا إعادة فتح هذا الملف أمام تساؤل أساسي: هل يمكن لوثيقة تاريخية أن تعيد إنتاج مركز قانوني جرى تجاوزه واستبداله ضمن نظام تسجيل جديد؟ تشكّل نظام الملكية العقارية في سورية بصورة أساسية خلال فترة الانتداب الفرنسي، حيث جرى ترسيخ قواعد التسجيل العقاري عبر القرار رقم 186 لعام 1926 في هذا السياق، يبرز التعارض بين نظام الوقف، بوصفه يقوم على حبس الأصل وتقييد التصرّف به، ونظام الملكية العقارية، الذي يقوم على التسجيل العلني وحماية الحقوق المكتسبة. فبينما يمنح الوقف صفة دائمة للعين ويقيّد تداولها، يقوم السجلّ العقاري على مبدأ الاستقرار والثقة في البيانات المسجّلة، بحيث تصبح الملكية المسجّلة مرجعاً نهائياً للعلاقة القانونية بالعقار. جذور التشريع العقاري تشكّل نظام الملكية العقارية في سورية بصورة أساسية خلال فترة الانتداب الفرنسي، حيث جرى ترسيخ قواعد التسجيل العقاري عبر القرار رقم 186 لعام 1926، وقانون الملكية العقارية رقم 39 لعام 1930، وهي قواعد ما زالت تشكّل الإطار الناظم للملكية. وبموجب هذا البناء القانوني، أُعيد تنظيم السجلات العقارية بشكل نهائي، بحيث أصبح السجلّ العقاري المرجع الحاسم في إثبات الملكية، لا الوثائق السابقة عليه. كما أن النظام القانوني الحالي ورث البنية الإدارية العثمانية، ثم أعاد تثبيت الملكيات ضمن صيغة حديثة قائمة على التسجيل النهائي، ما يجعل العلاقة بين الوثائق التاريخية والسجلّ العقاري علاقة إثبات تاريخي، لا إنشاءً لحق جديد. ويترتّب على ذلك أن العودة إلى دفاتر قديمة أو اعتمادها بشكل مستقل عن السجلّ العقاري يُعد مساراً خاطئاً، لأنه يمسّ فكرة الاستقرار القانوني التي يقوم عليها النظام العقاري المعاصر. وعلى المستوى العملي، تحويل العقار من ملكية خاصة إلى وقف، أو إعادة توصيفه بما يؤدّي إلى تحويل المالك إلى مستأجر، يثير إشكالات تتعلق باستقرار التعاملات العقارية، وقابلية السوق العقاري للتنبؤ، إضافة إلى ما قد يترتّب عليه من نزاعات واسعة بين الأفراد والجهات الإدارية، خاصة في ظل اختلاف مصادر الإثبات بين الوثائق التاريخية والسجلات الحديثة. لا يتعلق الأمر بمجرّد مراجعة تاريخية للأوقاف، بل باختبار مباشر لقدرة النظام القانوني على التوفيق بين استعادة حقوق محتملة قديمة، وحماية استقرار الملكيات الراهنة استقرار الملكية العقارية هنا تحديداً، تظهر الحاجة إلى ضبط هذا الملف ضمن إطار قانوني واضح، يحدّد طبيعة القوّة القانونية للوثائق التاريخية، وحدود استخدامها كقرائن، ومدى خضوعها للتدقيق القضائي، بدلاً من أن تتحوّل إلى أدوات لإعادة تشكيل الملكيات بشكل إداري مباشر. ليست العبرة في القانون العقاري السوري بالأصل التاريخي المجرّد، وإنما بالوضع القانوني الذي استقر بعد إجراءات التحديد والتحرير وإصدار قرار القاضي العقاري. فبموجب هذا النظام، لا يُعتدّ بأي حق سابق — بما في ذلك الحقوق الوقفية — إذا لم يُثَر خلال مراحل التحديد والتحرير، ولم يُعترض عليه من قبل الجهة المعنية. وفي حال عدم إقامة دعوى خلال المدة القانونية المقرّرة، فإن الحق يفقد إمكانية التمسّك به تجاه الغير. والسجلّ العقاري، بعد استكمال إجراءاته وتمرير مدد الطعن القانونية، تترتّب عليه قوّة ثبوتية حاسمة، بحيث تصبح القيود المسجّلة نهائية وواجبة الاحترام، ولا يجوز المساس بها بدعوى حق سابق، أياً كان مصدره، وإنما ينحصر الحق، إن وُجد ضرر، في المطالبة بالتعويض خلال المدة القانونية المحدّدة. وفي حال وجود وقف ثابت ومسجَّل أصولاً باسم جهة الأوقاف، يتم التعامل معه ضمن الأطر القانونية الخاصة بالأوقاف، التي تتيح نظام الاستبدال أو إعادة التنظيم وفق القانون، من دون أن يعني هذا تلقائياً اعتبار جميع العقارات محلّ النزاع أوقافاً، لمجرّد وجود إشارات تاريخية غير مثبتة ضمن السجلّ النهائي. وبذلك، يخلص هذا التفسير إلى أن الحسم في مثل هذه النزاعات لا يقوم على الوثائق التاريخية وحدها، بل على قوّة القيود النهائية في السجلّ العقاري، باعتبارها المصدر الحاسم للحق بعد استكمال المدد القانونية للطعن. بهذا المعنى، لا يتعلق الأمر بمجرّد مراجعة تاريخية للأوقاف، بل باختبار مباشر لقدرة النظام القانوني على التوفيق بين استعادة حقوق محتملة قديمة، وحماية استقرار الملكيات الراهنة، فالمعادلة هنا ليست تقنية فقط، بل تمسّ جوهر الثقة بالمنظومة العقارية نفسها، وحدود تدخّل الإدارة في مواجهة حجّية السجلّ العقاري.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية