فجوة أخلاق
عربي
منذ ساعة
مشاركة
سلوك لافت يبرز في الحالة السورية اليوم لدى قطاع واسع من جمهور مؤيدي السلطة، لا يتجلى فقط في حدّة المواقف ورفض النقد، بل في انحدار أخلاقي واضح في أساليب الرد، يصل أحياناً إلى استخدام أكثر العبارات ابتذالاً وتجريحاً على المستوى الشخصي على وسائل التواصل الاجتماعي. ومع كل أسف، لم تعد المواجهة مع منتقدي السلطة تقتصر على تفنيد الآراء، والنقاش معها، أو تقديم الحجج المضادة، بل تحوّلت، في أحيانٍ كثيرة، إلى هجمات تستهدف السمعة والكرامة، وتستدعي قاموساً من الإهانات المباشرة والتلميحات الجارحة. لقد تعرّض بعض من الصحافيين والمثقفين والكتاب ورجال أعمال من منتقدي السلطة لإهانات شخصية وتجريح بسبب ملاحظات وانتقادات وجّهوها إلى بعض المسؤولين، على خلفية قراراتٍ أصدروها، أو بسبب ممارساتٍ وسياساتٍ معينة للسلطة في الشأن الاقتصادي.  ويبدو واضحا أن هذا النمط لا يعكس مجرّد غضب آني، بل بات يشير إلى تحوّل وانحدار أخلاقي في طريقة التعاطي مع قضايا الشأن العام وكل من يجرؤ على توجيه انتقاداتٍ لقرارات حكومية أو سياسات معينة.  لقد باتت اللغة الخشنة والمسيئة أداة مشروعة في نظر بعضهم للدفاع عن السلطة أو الحكومة. الأخطر أن هذه الممارسات تُمارس بلا حرج، بل أحياناً مع شعور بامتلاك الحقيقة كلها وبالتفوّق الأخلاقي، وكأنها واجبٌ في سياق معركة مفتوحة. المفارقة اللافتة أيضاً أن جزءاً من هذا الجمهور يرى نفسه متماهياً مع سلطة ذات خلفية دينية متشدّدة، وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لخطاب ديني يُفترض أنه يؤكد على الأخلاق، وضبط اللسان، واحترام الآخر، أن يمشي جنباً إلى جنب مع هذا المستوى من الانحدار في السلوك؟ ولماذا لا يشكّل الدين، بما يحمله من منظومة قيمية، عامل ردع أخلاقي في لحظة الاحتكاك مع الخصوم، وخلال النقاش في قضايا الشأن العام؟  يبدو أن حالة الاستقطاب الحاد التي نعيشها قد ولّدت نوعاً من اللامبالاة أو التبلّد الأخلاقي، حيث فقد سوريون كثيرون جرّاء ظروف الحرب حساسيتهم تجاه قسوة اللغة أو آثارها. ومع الوقت، تحوّلت الإهانات إلى ممارسة يومية مألوفة، لا تستدعي مراجعة أو شعوراً بالذنب. ليس هذا فحسب، لقد لوحظ أن بعض المنصّات على وسائل التواصل تكافئ هذا السلوك، إذ تنتشر التعليقات الأكثر حدّة وتفاعلاً، ما يعزّز الإحساس بأن هذا الأسلوب هو الأكثر تأثيراً ونجاحاً. وكما سلف أعلاه، لا يمكن فصل هذا الانحدار عن السياق الأوسع الذي عاشته سورية في سنوات الحرب، حيث تآكلت منظومات القيم تحت ضغط العنف والانقسام، ووطأة الظروف المعيشية، وتراجعت المساحات الآمنة للحوار العقلاني. ويبدو أن العنف اللفظي، في مثل هذه البيئات، يصبح امتداداً طبيعياً لعنفٍ أعمق، حتى لو تغيّرت أدواته. لكن هنا يجب الانتباه إلى أن ليس كل ما هو محسوب على جمهور السلطة يلجأ إلى خطاب غير منضبط من الناحية الأخلاقية، لقد لوحظ أن هذا الانحدار مرتبط ببعض الشرائح الأقل تعليماً والأكثر تزمتاً، وليس كل جمهور السلطة، حيث تضعف أدوات النقاش لدى تلك الفئات، مقابل نخبٍ مؤيدة ما تزال تحافظ على خطاب سياسي رصين ومتزن. في المحصلة، تكشف هذه الظاهرة عن فجوة بين الخطاب المعلن والواقع المعاش، حيث يتم استحضار الدين بما هو هوية ومرجعية عند السلطة وممثليها، لكن وبنفس الوقت يُلاحظ تجاهل لمضمونه الأخلاقي في السلوك اليومي عند فئات عريضة من المؤيدين لها أو المحسوبين عليها. إنها مسألة لافتة حقاً.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية