عربي
تستدعي الفنانة الغزّية عزّة الشيخ أحمد مفردات من التراث الفلسطيني لبناء لوحة بسمات تقترب من الفن الغرافيكي، وتكثّف خطوطها المستقيمة والمنحنية أحياناً وكأنها تنسج بساطاً أو ثوباً أو تصمّم ملصقاً لا يغيب عنه الجسد الأنثوي منذ بداياتها في عام 2009، والذي يأخذ تشكيلات جديدة في معرضها "نزوح" الذي افتتح في مساحة فن وشاي بعمّان، في العاشر من الشهر الجاري، ويتواصل حتى العاشر من الشهر المقبل.
تظهر العين بوصفها مركزاً لمعظم أعمال المعرض في إحالة ترتبط مباشرة بعنوانه، إذ تحدق المرأة أو تنظر بعيداً أو تبكي في بعضها، بينما تركّز أعمال أخرى على حالة الحيرة أو الشرود أو القلق، تجاه العالم الذي انقسمت بلدانه بين صامتة على حرب الإبادة في غزّة منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023، أو مدينة لجرائم الاحتلال وانتهاكاته، وفي كلتا الحالتين لم يتغيّر شيء في غزّة.
وتقدّم عزّة النساء شاهدات على الحدث والتاريخ، أمهات وشقيقات وحبيبات وطفلات يجسدن أقصى حالات الفقد والرثاء دون أن يتخلين عن صمودهن وتمسكهن بالحياة، وهي تلجأ أحياناً إلى تكبير حجم العين في الوجه أو ترسمه أحياناً عيناً مجردة واسعة متصلة بحمامة السلام التي تطير فوقها وتحتها دون أن تراها، وأشجار النخيل والقمر والحصان والقباب والنوافذ المشرعة ومفتاح البيوت التي يحتفظ بها اللاجئ الفلسطيني ليفتح باب بيته الذي سيعود إليه ذات يوم، وفي أسفل اللوحة لا تزال حشود النازحين ترتحل من مكان إلى آخر وتواصل تشييد الخيام.
عزة التي تحمل بكالوريوس التربية الفنّية وماجستير المناهج وطرق التدريس وتعمل مشرفة لمادة الفن في مدارس القطاع، هُجّرت عائلتها من مدينة المجدل المحتلة، ونزحت في العدوان الأخير إحدى عشرة مرّة، كما يشير بيان المعرض، ورغم ذلك راكمت رسوماتها، ونصوصاً كتبتها مرفقة مع لوحات المعرض، كما جمعت نصوصاً ثانية في كتاب "تمائم فلسطينية... لوحات ونصوص" (مكتبة سمير منصور للطباعة والنشر، 2024) وفي كتاب "زنبقات غزّة... فنّانات في زمن الحرب" (مؤلف مشترك، جامعة دار الكلمة، 2025).
تناولت الفنانة عناصر المرأة والبيت والطبيعة والطيور، لتمثل رمزيات الحضور والصمود ضد الإلغاء، باعتبارها الشيفرة الفلسطينية لا سيما للمرأة التي تغرقها عناصر التطريز والزخرفة باعتبارها جزءاً أصيلاً من هوية المكان والإنسان، في حين تبدو التحولات بين أعمالها القديمة والجديدة بتكثيف العناصر المكانية والإنسانية والحيوانية بأسلوب قصصي يؤكد على السردية الفلسطينية لاكتشاف الحياة وبساطتها عبر هذه التركيبات التي تبدو متآلفة.
يعكس استخدامها تقنية الأحبار، والرسم باللونين الأبيض والأسود بعداً درامياً وقصصياً، وتبعد في هندستها التصميمية عن العفوية الدارجة في الأعمال الغزّية، مقتربة من العمل الجداري الذي ينحو نحو التعبيرية والتلاعب بالنسب لترسم أجساداً محلقة وحالمة وبأحجامٍ تغاير الواقع باعتبارها جزءاً من حكاية أو مروية ألفناها في ذاكرتنا الشعبية.
وترتبط تجربة عزة الشيخ أحمد بالأعمال الفنية التي عبّرت عن المقاومة التي ظهرت في سبعينيات القرن الماضي عند العديد من الفنانين الفلسطينيين والعرب، ومنهم عبد الرحمن المزين، وعبد عابدي من فلسطين، وبرهان كركوتلي من سورية وغيرهم، بحيث تبدو أنها عناصر زاخرة بالدفء والتآلف الفطري مع المكان. يظهر ذلك جلياً في مشاهد المرأة التي تقف أمام البيت في انتظار شيء ما أو رجوع غائب أو مفقود، أو نزوح الطير فوق قباب البيوت والعمائر وهي تحمل صررها نحو المجهول. في المقابل، ثمة نزوع نحو بعد ميثولوجي عندما ترسم امرأة واقفة فوق مركب يسير في ليل ويظهر القمر معلقاً في كمّها، في إحدى لوحات المعرض الذي تذهب نصف إيراداته لصالح غزة.
