عربي
يتسم رجال دونالد ترامب الذين يحيطون به في واشنطن أو الذين يوزعهم حول العالم في مكافآت لهم بأنهم شديدو الصراحة التي تصل في أحيان كثيرة إلى حد الوقاحة. السفير الأميركي لدى لتركيا، والمبعوث الخاص إلى سورية، توم براك أحد هؤلاء.
مشاركته في إحدى جلسات منتدى أنطاليا الدبلوماسي تستحق المتابعة. هو لم يكشف أي أسرار فعلياً باستثناء بعض ما يتعلق باتفاق وقف النار بين لبنان وحزب الله في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 وإشارته إلى أن إسرائيل حصلت على "اتفاق جانبي من إدارة جو بايدن يومها يقول: بالمناسبة، وفق تقديركم الخاص، إذا اعتقدتم أن سيادتكم تتعرض للتهديد، فأنتم غير ملزمين بهذا الاتفاق ويمكنكم فعل ما تريدون". وهو للمناسبة، الأمر نفسه الذي يطبقه ترامب في غزة، إذ يترك لإسرائيل فعل ما تشاء منذ وقف إطلاق النار ويتكرر الأمر نفسه في لبنان، لكن برّاك لن يعترف، بينما ينشغل في الدفاع عن سياسات رئيسه، أن الأخير يمنح أيضاً تفويضاً مفتوحاً لإسرائيل ويسمح بتوقيع اتفاقات مع استثناءات تقود في النهاية إلى تفريغها من مضمونها.
تحدث برّاك في مداخلته حول مواضيع المنطقة كما هي، معبراً بشكل فج عن مضمون السياسة الأميركية المستندة إلى إباحة القوة وتجاهل كل ما يمكن أن يمت بصلة لما تبقى من قواعد للنظام الدولي.
الجملة الأكثر صدقاً التي قالها في إطار حديث عن إسرائيل وما تفعله في سورية، مفادها بأن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو "لا يهتم بأي حدود ولا بالخطوط، ولا بخط 1967، ولا بخط 1974، ولا حتى بخط 8 ديسمبر" (يوم سقوط نظام الأسد)، متذرعاً طبعاً بـ7 أكتوبر. أقرّ برّاك بأنه منذ يوم 8 ديسمبر/كانون الأول (2024) لم تطلق سورية "رصاصة واحدة" تجاه إسرائيل "بل العكس شرح بما يشبه الأسى كيف "قال الرئيس (أحمد) الشرع مراراً وتكراراً إنه لا توجد مشاكل مع إسرائيل". لكن كل ذلك لا يستدعي أي انتقاد للسلوك الإسرائيلي. ويبدو الأمر مفهوماً من وجهة نظر براك، الذي سبق أن تلا علينا محاضرته بأنه لا يوجد شرق أوسط بل قبائل وقرى ودول قومية أنشأتها اتفاقية سايكس بيكو.
يخبرناً برّاك مراراً وتكراراً "أن المنطقة لا تحترم أو تفهم إلا منطق القوة"، وأنه "إذا أظهرت ضعفاً، فسوف تكون في موقف دفاعي/متراجع". وبالنسبة له "لا يهم من يحكم أو كيف يحكم، المهم أن يكون قوياً"، وفي ذلك يبدو برّاك تلميذاً نجيباً في مدرسة ترامب الذي يريد أن "يركّع" من يختارها من الدول بمنطق البلطجة العسكرية.
ولعل مما يمكن التوقف عنده في حديث برّاك أيضاً حالة الاشمئزاز/السخرية التي بدا أنها اعترته بينما كان يشير إلى أن "تجارب الربيع العربي" قد تلاشت، مؤكداً أن الأنظمة القوية فقط هي التي نجحت في المنطقة. ومن هذا المنطلق يمكن تصور كيف بدا أقل ميلاً لاحتمال تهور إسرائيلي مع تركيا على قاعدة أن الأخيرة "ليس دولة يمكن العبث معها" بعد التصويب الإسرائيلي عليها ووصفها بأنها "إيران الجديدة"، مكرساً مرة إضافية القناعة بأن منطق القوة هو المتحكم الأول بالسياسات.
