"المركز العربي": أكثر من مليون نازح في لبنان خارج مراكز الإيواء
عربي
منذ ساعة
مشاركة
بعد أيام قليلة من الهدنة التي أُعلنت في لبنان أخيراً، على خلفية العدوان الإسرائيلي الذي بدأ في الثاني من مارس/ آذار الماضي، كشفت دراسة نوعيّة أعدّها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في بيروت عن واقع إنساني ومعيشي بالغ القسوة يعيشه النازحون قسراً المقيمون خارج مراكز الإيواء. وحذّرت الدراسة، التي أتت تحت عنوان "أحوال النازحين خارج مراكز الإيواء وتحديات الاستجابة للاحتياجات الإنسانية"، ممّا وصفته بأنّه كارثة إنسانية "صامتة" تطاول أكثر من مليون شخص في لبنان يعيشون في ظروف سكنية واقتصادية قاسية بعيداً عن "رادار" المنظمات الدولية والجهات الرسمية. وبهدف عرض نتائج الدراسة والإضاءة على هذه القضية، عقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في بيروت جلسة نقاشية، اليوم الاثنين، في أحد فنادق العاصمة اللبنانية، شارك فيها ممثلون عن إدارات عامة، من بينها وحدة إدارة مخاطر الكوارث التابعة لرئاسة مجلس الوزراء وغيرها، وعن وكالات أممية ومنظمات دولية ومحلية، إلى جانب خبراء ومتخصّصين في مجال الاستجابة الإنسانية في الكوارث. وقد أدار الجلسة مدير المركز العربي في بيروت الدكتور ناصر ياسين، الذي بيّن أنّ وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في لبنان منتصف ليل 16 - 17 إبريل/ نيسان الجاري، "لم يلغِ أزمة النزوح (القسري)"، وأوضح أنّ 40 ألف وحدة سكنية، كانت قد دُمّرت في خلال مدّة العدوان، الأمر الذي "يمنع نحو 40 ألف عائلة على الأقلّ من العودة إلى منازلها ويبقيها مهجّرةً قسراً". وفي تقديمه للدراسة، التي استندت إلى ثماني جلسات نقاش مركّزة مع نازحين ونازحات من جنوبي لبنان وضاحية بيروت الجنوبية، أشار ياسين إلى أنّ "نحو 141 ألف نازح (15% من مجموع النازحين) فقط كانوا يقيمون في مراكز الإيواء الرسمية، من مجموع 1.2 مليون نازح (أكثر من 20% من مجمل سكان لبنان)، في حين توزّعت الغالبية العظمى من النازحين، أي نحو 85% منهم، ما بين مساكن مستأجرة أو لدى أقارب لهم، في ظروف هشّة غير مستقرّة؛ وهم موضوع الدراسة". وأظهرت إفادات النازحين قسراً المشاركين في الدراسة، وفقاً لبيان صادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في بيروت، أنّ النزوح القسري لم يكن مجرّد انتقال جغرافي، بل تجربة قسرية قاسية ترافقت مع فقدان الإحساس بالأمان والاستقرار، وكذلك ضغوط نفسية واقتصادية متزايدة. وقد ساهم الطابع الحضري للنزوح، بحسب ما بيّنت تلك الإفادات، في تفاقم الأزمة، إذ أدّى إلى ارتفاع غير مسبوق في الإيجارات، واكتظاظ في المساكن، وتراجع في جودة الخدمات الأساسية، بالإضافة إلى ممارسات تمييزية في سوق السكن. ومن الناحية الاقتصادية، بيّنت الدراسة أنّ النازح قسراً في لبنان اليوم يعيش ما وُصف بأنّه "معادلة المستحيل"، وشرحت أنّه مع فقدان مصادر الرزق، تحوّل النزوح القسري إلى نزيف مالي مستمرّ، في معادلة "إنفاق بلا دخل"، ولا سيّما أنّ النازح ينفق ما لا يملكه، أضافت أنّ المساعدات لا تصل إلا للذين لجأوا إلى مراكز الإيواء الرسمية، ونادراً ما يستفيد النازح في خارجها من أيّ مساعدة من شأنها أن تخفّف عنه وطأة التهجير. ولفت مدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في بيروت إلى أنّ الدراسة لحظت "فجوة واضحة بين حجم النزوح ومستوى الاستجابة الإنسانية"، خصوصاً لدى النازحين قسراً في خارج مراكز الإيواء، في ظلّ دور حكومي محدود جداً واستجابة دولية أبطأ وأضعف من الاستجابة التي سُجّلت في خلال عمليات نزوح قسري سابقة؛ في خلال حرب عام 2024 على سبيل المثال. كذلك أفاد النازحون المشاركون في الدراسة بوجود مشكلات في آليات التسجيل والتوزيع، وقد فشل كثيرون منهم في الحصول على أيّ دعم فعلي. وشرح ياسين أنّ أعمق ما لمسته دراسة "أحوال النازحين خارج مراكز الإيواء وتحديات الاستجابة للاحتياجات الإنسانية" هو الأثر النفسي وكذلك الاجتماعي، وبيّن أنّ النزوح القسري لم يسلب النازح بيته فحسب، بل خدش "كرامته الإنسانية" في ظلّ فقدانه خصوصيته، وشعوره بالاعتماد القسري على الآخرين، إلى جانب تجربة الوصم الاجتماعي/الطائفي/السياسي. وقد جعل كلّ ذلك النازح يبحث عن "الاحترام" وعمّا يشعره بأنّه ما زال "جزءاً أصيلاً من نسيج هذا الوطن، لا ضيفاً ثقيلاً عليه". وبعد عرض مدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في بيروت للدراسة الأخيرة، كانت مداخلات للمشاركين في الجلسة النقاشية أكدت في مجملها واقع أنّ الاستجابة الإنسانية اقتصرت على مراكز الإيواء فقط، وأنّ المعاناة الكبرى كانت من نصيب النازحين قسراً في خارج تلك المراكز. وتحدّث المشاركون عن شحّ الدعم والمساعدات التي قدّمتها الدول العربية كما الأجنبية، بالمقارنة مع تجربة حرب عام 2024. بالإضافة إلى ذلك، رأى المشاركون أنّ الوزارات المعنية في لبنان تفتقر إلى خطط استجابة في حالات الكوارث، على الرغم من الدراسات العديدة التي كانت قد توقّعت "حدوث تصعيد أمني مقبل". ورأى المشاركون في الجلسة النقاشية التي عُقدت اليوم، وفقاً لما تضمّنه بيان المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في بيروت، أنّ ثمّة مجموعة من النقاط الأساسية الواجب العمل عليها، ولا سيّما في ظلّ وقف إطلاق النار. بالنسبة إليهم، تأتي آليات الاستجابة الإنسانية في مقدّمة هذه الأولويات، خصوصاً ما يتعلّق بالمساعدات النقدية، لجهة صرفها وتوزيعها بطريقة عادلة وفعّالة. كذلك شدّد المشاركون على أهمية العمل على ملفّ السكن والإسكان، انطلاقاً من الدور المحوري للدولة في تأمين المأوى، خصوصاً للنازحين العائدين إلى قراهم بعد تدمير منازلهم، وهذا أمر يستدعي فتح نقاش جدّي حول السياسات والإجراءات المطلوبة في هذا المجال. في السياق نفسه، كان تأكيد، في خلال جلسة اليوم، ضرورة تفعيل اللامركزية، من خلال تعزيز دور المحافظين والبلديات، وتمكينهم من التحلّي بالمرونة اللازمة من أجل الاستجابة للاحتياجات المحلية. كذلك، أشار المشاركون إلى أهمية تعزيز التعاون مع الجمعيات والمنظمات غير الحكومية، بما يسهم في فهم أعمق لديناميكيات التهجير. وفي التوصيات التي تضمّنتها دراسة "أحوال النازحين خارج مراكز الإيواء وتحديات الاستجابة للاحتياجات الإنسانية"، شدّد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في بيروت على أنّ وقف الاعتداءات العسكرية بأشكالها كافة شرط أساسي لأي تحسّن. كذلك دعى إلى اعتماد الدعم النقدي المباشر، وتنظيم قطاع السكن، وضرورة تأمين الخدمات الأساسية والصحية وإصلاح آليات الاستجابة بما يضمن وصولاً أكثر عدالة وشمولاً محترِماً الكرامة الإنسانية، خصوصاً للنازحين قسراً في خارج مراكز الإيواء.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية