عربي
أصدر الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة التقييم النهائي السريع للأضرار والاحتياجات في غزة، وهو تقييم أُنجز بالتعاون مع البنك الدولي لقياس حجم الأضرار والخسائر الاقتصادية، وتحديد احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بعد 24 شهراً من العدوان الإسرائيلي. ولم يكتف هذا التقييم بعرض أرقام الدمار، بل وضع أيضاً إطاراً تحليلياً لمرحلة ما بعد العدوان، من استعادة الخدمات الأساسية إلى إعادة البناء الواسع وربط ذلك بالمسار السياسي والمؤسسي المطلوب.
فاتورة إعادة الإعمار خلال العقد المقبل
وتُقدَّر احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في غزة، بحسب التقييم، بنحو 71.4 مليار دولار على مدى السنوات العشر المقبلة. ومن هذا المبلغ الإجمالي، هناك 26.3 مليار دولار مطلوبة خلال الأشهر الـ18 الأولى فقط، وهي مرحلة يعتبرها التقييم حاسمة لاستعادة الخدمات الأساسية، وإعادة بناء البنية التحتية الحيوية، وتهيئة الظروف الأولية للانتعاش الاقتصادي.
35.2 مليار دولار أضرار و22.7 مليار خسائر
يفصل التقييم بين الأضرار المادية المباشرة والخسائر الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن العدوان. فالأضرار المادية التي لحقت بالبنية التحتية تُقدر بنحو 35.2 مليار دولار، بينما تبلغ الخسائر الاقتصادية والاجتماعية 22.7 مليار دولار، ما يوضح أن الكلفة تشمل أيضاً ما فُقد من نشاط اقتصادي، ودخل، وخدمات، وفرص معيشية، وتدهور اجتماعي واسع أصاب السكان والقطاعات الحيوية.
الإسكان في صدارة القطاعات المنكوبة
ويشير التقييم إلى أن القطاعات الأكثر تضرراً هي الإسكان والصحة والتعليم والتجارة والزراعة، وهي قطاعات تمثل البنية الأساسية للحياة اليومية والصمود الاجتماعي والاقتصادي. ويبرز قطاع الإسكان بوصفه أحد أكثر القطاعات تدميراً، إذ دُمّرت أو تضررت أكثر من 371 ألفاً و888 وحدة سكنية، وهو رقم يعكس حجم الضربة التي طاولت النسيج العمراني والاجتماعي في القطاع.
الصحة والتعليم
في القطاع الصحي، أصبحت أكثر من 50% من المستشفيات خارج الخدمة، ما يعني أن قدرة غزة على الاستجابة للحاجات الطبية العاجلة والمزمنة باتت مقيّدة بشدة. أما في التعليم، فأكد التقييم أن جميع المدارس تقريباً دُمِّرت أو تضررت، وهو ما يوضح أن الضرر لا يقتصر على الحاضر فقط، بل يمتد إلى مستقبل جيل كامل. ومع تضرر المدارس والمستشفيات معاً، تتجلى صورة الانهيار في اثنين من أهم أعمدة التنمية البشرية: التعليم والصحة.
انكماش الاقتصاد بـ84%
من أبرز مؤشرات الانهيار التي يوردها التقييم أن اقتصاد غزة انكمش بنسبة 84%، ما يعكس شبه شلل في النشاط الاقتصادي، وتآكلاً في مصادر الدخل، وتعطلاً في الأسواق والإنتاج والتجارة والخدمات. كما ربط التقييم بين الدمار المادي وما ترتب عنه من تراجع اقتصادي عميق جعل من التعافي أكثر تعقيداً، لأن إعادة البناء لا يمكن أن تنجح إذا لم تترافق مع عودة تدريجية للنشاط الاقتصادي وفرص العمل والدخل.
تراجع التنمية البشرية 77 عاماً
سلط تقرير الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة الضوء على ما وصفه بالأثر الكارثي على التنمية البشرية في غزة، وقدّر أن هذه التنمية تراجعت 77 عاماً، ما يؤكد أن ما ضاع لا يتعلق فقط بالبنايات والبنية التحتية، بل بمستويات العيش والتعليم والصحة والقدرة على بناء مستقبل مستقر.
أما على المستوى الإنساني، فأوضح التقييم أن نحو 1.9 مليون شخص نزحوا، وغالباً مرات عديدة، ما كشف حجم الاضطراب الذي أصاب السكان واستمرار انعدام الاستقرار حتى داخل تجربة النزوح نفسها. كما فقد أكثر من 60% من السكان منازلهم، ما يوضح أن أزمة السكن في غزة أضحت أزمة جماعية تمس غالبية المجتمع بصورة مباشرة. وفي هذا الصدد، أشار التقييم إلى أن النساء والأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة والفئات الأكثر ضعفاً يتحملون العبء الأكبر من هذه المأساة، سواء من حيث النزوح أو فقدان الحماية أو تعطل الوصول إلى الخدمات.
إعمار بقيادة فلسطينية
ومن الركائز الأساسية التي أكدها الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة أن عمليات التعافي وإعادة الإعمار يجب أن تكون بقيادة فلسطينية. كما شدد التقييم على أن هذه العملية ينبغي أن تعتمد نهجاً يقوم على "إعادة البناء بشكل أفضل" و"بناء مستقبل أفضل"، بما يدعم انتقال الحكم إلى السلطة الفلسطينية وفقاً لقرار مجلس الأمن رقم 2803 والخطة الشاملة. وقدم الفكرة شرطاً جوهرياً لضمان ألا الإعمار يتحول إلى عملية تقنية منفصلة عن السياق الوطني والمؤسسي الفلسطيني.
