عربي
لم تكد أوروبا تلتقط أنفاسها بعد التحول السياسي في المجر وتراجع نفوذ القومي المحافظ المشاكس لبروكسل فيكتور أوربان، حتى اتجهت الأنظار سريعاً نحو بلغاريا، وأفرزت الانتخابات البرلمانية صعوداً لافتاً للرئيس السابق رومن راديف وتحالفه الجديد "بلغاريا التقدمية"، في تحول يعيد طرح أسئلة حساسة حول تماسك الاتحاد الأوروبي وحدود التوافق داخله. وأظهرت نتائج الانتخابات التي جرت الأحد، بحسب الوكالات اليوم الاثنين، فوز تحالف راديف "بلغاريا التقدمية" بنسبة تتراوح بين 44% و45% من الأصوات، متجاوزاً بنحو 10 نقاط مئوية الاستطلاعات السابقة، ما يمنحه نحو 130 مقعداً من أصل 240، أي أغلبية برلمانية مريحة تؤهله لتشكيل الحكومة.
وجاء في المرتبة الثانية تحالف "نواصل التغيير، بلغاريا الديمقراطية" بنحو 13%، يليه حزب (GERB) "مواطنون من أجل التنمية الأوروبية لبلغاريا" المحافظ بزعامة بويكو بوريسوف بنسبة مماثلة تقريباً. كما لوحظ خروج الاشتراكيين (الشيوعي سابقاً) من البرلمان الجديد للمرة الأولى منذ 40 عاماً، بعد فشلهم في تجاوز عتبة الحسم (4%).
وتأتي هذه النتائج بعد سنوات من عدم الاستقرار السياسي، إذ شهدت بلغاريا ثمانية انتخابات خلال خمس سنوات منذ عام 2021، ما جعل هذه الدورة محاولة لكسر الجمود المزمن. وقد جرت الدعوة إلى الانتخابات في يناير/كانون الثاني بعد استقالة الحكومة السابقة على خلفية احتجاجات واسعة ضد الفساد، بحسب تقارير تلفزيونية أوروبية، بينها "يورونيوز"، أمس الأحد.
ويعكس هذا التحول رغبة داخلية في إنهاء حالة الفوضى السياسية، لكنه في الوقت نفسه يثير قلقاً في بروكسل بشأن اتجاه السياسة الخارجية لبلغاريا، خصوصاً في ما يتعلق بروسيا والحرب في أوكرانيا.
مواقف راديف من الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا
عاد رومن راديف، الرئيس السابق حتى مطلع 2025 والطيار المقاتل السابق، إلى المشهد عبر تحالفه الجديد بخطاب نقدي حاد تجاه سياسات الاتحاد الأوروبي، خصوصاً دعم أوكرانيا. وقد حذّر من "إرسال مزيد من الأسلحة"، واعتبر الحرب "قضية محكوم عليها بالفشل"، رافضاً تزويد كييف بالمدفعية، مع مواقف تُقرأ أوروبياً اقتراباً من موسكو، على غرار أوربان. كما رأى أن أوروبا تفتقر إلى استراتيجية لإنهاء الحرب، مع تحفظات متكررة على العقوبات ضد روسيا، وفقاً لما نقلت "إل باييس" الإسبانية اليوم.
وأثارت تصريحاته، ومنها وصفه شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا في 2014 بـ"القرم الروسية" وبأنها "واقع سياسي"، جدلاً واسعاً داخل الاتحاد الأوروبي، لتعارضها مع الموقف الرسمي بشأن وحدة الأراضي الأوكرانية. وفي المقابل، أكد راديف خلال الحملة أن مواقفه "بلغارية وأوروبية في آن واحد"، وأنه يدافع عن مصالح بلاده وسيادتها أولاً.
ومنذ سنوات، يصرّ في تصريحاته على أن "بلغاريا لن تكون جزءاً من طلب شامل لتوريد الذخيرة إلى أوكرانيا"، موضحاً: "بلغاريا ملتزمة بإرسال ذخيرة إلى شركائنا وحلفائنا، ولكن ليس إلى أوكرانيا"، بحسب تقرير "بوليتيكو أوروبا" في مارس/آذار 2023، وهو موقف لا يزال يردده اليوم، كما نقلت عنه "روسيا اليوم" أمس.
هل يكرر راديف نموذج أوربان؟
في بروكسل، تزايدت المقارنات بين راديف وأوربان، إلا أن خبراء أوروبيين، بحسب ما نقلت "ذا غارديان" أمس الأحد، يحذرون من المبالغة في هذا التشبيه. فبحسب تقديرات أكاديمية، لا يزال راديف "وافداً جديداً" إلى السلطة التنفيذية، ولا يمتلك البنية المؤسسية أو الشبكة السياسية التي راكمها أوربان خلال أكثر من عقد.
كما أن المشهد السياسي في بلغاريا شديد الهشاشة، ما يفرض على راديف الدخول في تحالفات مع قوى تقليدية ذات توجهات أوروبية، وهو ما قد يحدّ من قدرته على تبني سياسة خارجية متشددة، على ما ذهبت إليه "لوموند" الفرنسية اليوم. وتبقى هشاشة الاقتصاد البلغاري عاملاً إضافياً، إذ تعتمد البلاد بشكل كبير على الدعم الأوروبي، ما يجعل أي قطيعة مع بروكسل خياراً مكلفاً سياسياً واقتصادياً.
تحديات اليمين القومي في شرق أوروبا
في السياق الإقليمي الأوسع، تتقاطع تجربة بلغاريا مع تصاعد التيارات اليمينية القومية المشككة في سياسات الاتحاد الأوروبي، خصوصاً بشأن الدعم لأوكرانيا. فقد حذّر رئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيكو، الشهر الماضي، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام أوروبية، من أن خسارة فيكتور أوربان السلطة في المجر قد تدفعه إلى استخدام حق النقض (الفيتو) ضد حزمة تمويل أوروبية لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، وهي الحزمة التي ظل أوربان يعارض تمريرها.
وتشير الباحثة في شؤون الديمقراطية وسيادة القانون في بروكسل جوليا بويتسه، في تحليلها على موقع مركز الدراسات السياسية الأوروبية، إلى أن فيكو يُعد الأقرب إلى نموذج "أوربان جديد"، لكنه يفتقر إلى القاعدة الشعبية الصلبة والدعم المؤسسي الذي بناه أوربان في المجر. وتضيف أن الانتخابات المقبلة في سلوفاكيا، مع تراجع شعبية فيكو، تجعل مستقبله السياسي غير مضمون.
وفي جمهورية التشيك، يبرز أندريه بابيش أحدَ القادة المتحفظين داخل الاتحاد الأوروبي، خصوصاً في ملف الدعم لأوكرانيا، حيث انتقد برامج تسليح كييف ولوّح بإعادة النظر في حجم الدعم، رغم استمرار بلاده ضمن المبادرات الأوروبية الجماعية. غير أن حكومته تواجه ضغوطاً داخلية نتيجة تحالفها مع قوى يمينية متشددة مثل "سائقين من أجل أنفسهم" و"الحزب من أجل الحرية والديمقراطية المباشرة"، والتي تعارض سياسات المناخ وتدعو إلى تقييد دعم أوكرانيا واللاجئين في أوروبا.
ورغم هذا التمدد اليميني، يرى مراقبون أن قدرة هذه الحكومات على تحدي الاتحاد الأوروبي تبقى محدودة بفعل الاعتماد الكبير على التمويل الأوروبي، ما يمنح بروكسل أدوات ضغط فعالة عبر العقوبات وربط المساعدات بالالتزام السياسي، وهو ما يجعل أي مواجهة مباشرة خياراً مرتفع الكلفة يصل إلى حد "الانتحار السياسي".
في المجمل، قد لا يواجه الاتحاد الأوروبي "أوربان جديداً" حرفياً بقدر ما يواجه موجة قادة ذوي نزعات سيادية متباينة يختبرون حدود مرونة النظام أكثر مما يسعون إلى كسره. ورغم أن صعود راديف يثير القلق في بروكسل، فإن القيود الاقتصادية والسياسية قد تقلّص فرص أي تحول جذري، لتبقى أوروبا أمام نمط متزايد من "السيادة الانتقائية" التي تضغط على التماسك الأوروبي دون أن تنسفه.
